استعراض القوة النارية البريطانية على الساحل المتصالح، ١٩٤٩

د. مارك هوبز

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج، المكتبة البريطانية
في أعقاب استقلال الهند والوجود المتزايد للولايات المتحدة في المنطقة، سعى المسؤولون البريطانيون إلى تذكير سكان الخليج العربي بأنهم ما زالوا مسيطرين على المنطقة اسميًا.

بعد الساعة السادسة من صباح ١٤ يونيو ١٩٤٩ بفترة وجيزة، والذي كان صباحًا جميلًا بحسب الملاحظات الواردة من محطة الأرصاد في البحرين، استيقظ سكان المدن العربية الساحلية على هدير إثنين من قاذفات قنابل"بريستول بريجاند" البريطانية على بعد أقدام قليلة فوق أسطح منازلهم.

صورة فوتوغرافية لقاذفة بريستول بريجاند، فبراير ١٩٤٨ حقوق النشر محفوظة لمتحف الحرب الإمبراطوري
صورة فوتوغرافية لقاذفة بريستول بريجاند، فبراير ١٩٤٨ حقوق النشر محفوظة لمتحف الحرب الإمبراطوري

الطيران على ارتفاع منخفض

من أم القيوين إلى أبوظبي ودبي والبريمي، فروا السكان المحليون من منازلهم في كافة الاتجاهات، بينما كانت قاذفتا بريجاند تحومان خمس ساعات ونصف على ارتفاعات منخفضة من مدينة إلى أخرى. وفي دبي، انقضت الطائرتان بشكل متكرر على قصر الشيخ الصيفي ، بينما أطلق البدو الرصاص على الطائرتين المحلّقتين على ارتفاعات منخفضة في البريمي.

وقد جرى تدريب مماثل في الصباح التالي، وبعده قام مسؤولو القوات الجوية الملكية بدعوة حاكم الشارقة الشيخ محمد بن صقر القاسمي وحاكم دبي الشيخ سعيد بن بطي آل مكتوم، للحضور وتفتيش الطائرتين في قاعدتهم الجوية في الشارقة. وأثناء تناول المرطبات، أخطر ضابط الارتباط بالأركان الجوية الشيخين بأن هاتين الطائرتين الموجودتين في الحبانية في العراق، ’يمكن إرسالهما إلى الساحل المتصالح في لمح البصر، إذا دعت الحاجة‘.

مقتطف من رسالة سرية صادرة من مقر القاعدة الجوية في العراق، إلى المقيم السياسي، بتاريخ ٢٨ مايو ١٩٤٩. IOR/R/15/2/293، ص. ٢
مقتطف من رسالة سرية صادرة من مقر القاعدة الجوية في العراق، إلى المقيم السياسي، بتاريخ ٢٨ مايو ١٩٤٩. IOR/R/15/2/293، ص. ٢

وتشير هذه الكلمات التي صاغها ضابط الارتباط بالأركان الجوية إلى أن الهدف الرئيسي لاستعراض القوة كان طمأنة حكام الساحل المتصالح إلى أنه ما زال بوسعهم الاعتماد على بريطانيا للحماية. فهي بعد كل شيء لا تزال ’محميات بريطانية‘.

الانسحاب البريطاني

بعد الحرب العالمية الثانية، عانت الحكومة البريطانية من ضائقة مالية فقلصت عملياتها العسكرية في الخليج العربي. كما قلصت العمليات في محطات سلاح الجو الملكي في المحرق بالبحرين والشارقة في١٩٤٧، وكذا العمليات البحرية في قاعدة الجفير في البحرين. علاوة على ذلك، ومع بدء البريطانيين في الانسحاب من الخليج العربي في أعقاب استقلال الهند، زادت الولايات المتحدة من تواجدها في المنطقة.

مقتطف من تقرير حول الجولات الاستعراضية لطائرات الأسطول ٨٤ فوق المشيخات المتصالحة، يونيو ١٩٤٩، كتبه ج. ي. لويس، ضابط الارتباط بالأركان الجوية. IOR/R/15/2/293، صص.١٣– ١٤
مقتطف من تقرير حول الجولات الاستعراضية لطائرات الأسطول ٨٤ فوق المشيخات المتصالحة، يونيو ١٩٤٩، كتبه ج. ي. لويس، ضابط الارتباط بالأركان الجوية. IOR/R/15/2/293، صص.١٣– ١٤

وسواء شعورهم بالاطمئنان أم لا، فإن شيوخ الساحل المتصالح ورعاياهم فهموا هذه الطلعات الاستعراضية من قبل ’حُماتهم‘ بطرق مختلفة. فاعتبر معظمهم أن تكون الطلعات الجوية تدريبات استطلاعية قامت بها شركات النفط. ويُقال إن الشيخ سعيد بن بطي آل مكتوم شعر بالقلق من أن يكون هدف الطلعات الاستعراضية إثارة الرعب في نفوس شيوخ الساحل المتصالح ودفعهم إلى التخلي عن الرق. وقد استنتج آخرون أن الطائرتين المحلقتين على ارتفاعات منخفضة كانتا تقومان بمسح لتحديد الحدود وفصل كل مشيخة عن جيرانها بوضوح.

مقتطف آخر من تقرير حول الجولات الاستعراضية لطائرات الأسطول ٨٤ فوق المشيخات المتصالحة، يونيو ١٩٤٩، كتبه ج. ي. لويس، ضابط الارتباط بالأركان الجوية. IOR/R/15/2/293، صص.١٣– ١٤
مقتطف آخر من تقرير حول الجولات الاستعراضية لطائرات الأسطول ٨٤ فوق المشيخات المتصالحة، يونيو ١٩٤٩، كتبه ج. ي. لويس، ضابط الارتباط بالأركان الجوية. IOR/R/15/2/293، صص.١٣– ١٤

اطمئنان أم تذكير؟

في تقريره عن الطلعات الاستعراضية، ذكر ضابط الارتباط بالأركان الجوية أن حاكمي دبي والشارقة تلقيا تفاصيل حول القوة النارية لطائرات بريجاند وحمولتها من القنابل. ومن المثير للاهتمام أن ضابط الارتباط ذكر أن الشيخين الزائرين حصلا على "وصف مفصل للقوة التدميرية للصواريخ فيما يتعلق بالمباني المحلية العادية"، وذلك بعدما كان المسؤولون البريطانيون مستعدين لقذف مدن الساحل المتصالح لأعمالهم الطائشة قبل الحرب.

وإذا كان هدف الطلعات الجوية طمأنة الشيوخ بشأن التزام بريطانيا تجاههم، فيجب اعتبارها أيضًا تذكيرًا بشأن قدراتها؛ وربما كان الهدف أيضاً الرد على الدعاية الأمريكية في الخليج العربي آنذاك، التي لمّحت إلى أن بريطانيا أصبحت قوة منهكة في المنطقة.