البحث عن المعرفة: نخلة البصرة، حديقة النباتات في بنجال

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج، المكتبة البريطانية
خطاب مؤرخ في سنة ١٧٨٧ يطلب نباتات من الخليج الفارسي لوضعها في حديقة نباتات تم إنشاؤها حديثاً في كلكتا توضح الطريقة التي أصبح بها السعي وراء المعرفة العلمية جزءاً من المجهودات الاقتصادية الدولية لشركة الهند الشرقية.

ذات يوم في شهر أكتوبر سنة ١٧٨٧ والرياح الشمالية الغربية تزداد قوتها وتعصف بنوبة موسمية على نخيل بوشهر وأمواج البحر الهائجة تتكسر على أسوار الحصن، فتح إدوارد جالي مقيم شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا رسالة وصلت لتوها من البصرة وقرأها. وكانت مشتملة على قائمة نباتات - ستة في جملتها.

تفاصيل من الخطاب المُرسل من صموئيل مانيستي المقيم بالبصرة إلى إدوارد جالي تظهر قائمة النباتات المطلوبة لحديقة النباتات الجديدة في بنجال. IOR/R/15/1/1، صص. ٥٠–٥٠ظ
تفاصيل من الخطاب المُرسل من صموئيل مانيستي المقيم بالبصرة إلى إدوارد جالي تظهر قائمة النباتات المطلوبة لحديقة النباتات الجديدة في بنجال. IOR/R/15/1/1، صص. ٥٠–٥٠ظ

كان بعضها واضحاً، فمثلاً "نخلة البصرة" لا يختلف عليها اثنان و"التبغ الفارسي الشهير" كان معروفاً جداً كما ورد بالرسالة. ولكن البقية كان يصعب نوعاً ما تحديد ماهيتها على قليلي المعرفة في النباتات مثل "الشجرة التي تنتج صمغ الأنجدان" أو "الشجرة التي تنتج صمغ الورنيش".

صورة لنبات الحلتيت الفارسية من "جنوب بلاد فارس" التقطها الملازم الأول أ.أ كروكشانك، صورة 430/8/87
صورة لنبات الحلتيت الفارسية من "جنوب بلاد فارس" التقطها الملازم الأول أ.أ كروكشانك، صورة 430/8/87

قد كان تم تأسيس حديقة نباتات مؤخراً في كلكتا وهذه النباتات - المعروف نموها في منطقة الخليج - كانت مطلوبة لهذا المشروع الجديد. وكان يجب العثور على العينات وجمعها وشحنها إلى الهند.

لم يكن هذا بالأمر الجلل بالنسبة لجالي، بل كان جزءاً من العمل اليومي لإدارة الوكالة في بوشهر. ولكن بالنظر إلى هذه الرسائل اليوم، يمكن لنا أن نرى أنها كانت جزءاً من مهمة تقوم بها شركة تأخذ الخليج إلى مشروع كبير يهدف إلى تحصيل فهم أعمق وأكمل بالعالم الطبيعي.

الحديقة النباتية

طُرحت فكرة تأسيس حديقة النباتات على الطاولة للمرة الأولى في صيف ١٧٨٦ من قبل روبرت كيْد - ضابط بالجيش الهندي - كأداة وقاية محتملة من المجاعة. ولكن سرعان ما صارت الفكرة أكبر وأكثر طموحاً. في خطاب مؤرخ ٢٠ نوفمبر ١٧٨٧، وضّح روبرت كيْد رؤيته عن كون الحديقة جزءاً من السعي الأشمل وراء المعرفة العلمية، مدركاً للفائدة التي قد يثبتها هذا المخزون المعلوماتي في "إنارة طريق الإدارات المستقبلية بشأن مواضيع كثيرة توجد تأكيدات ناقصة عنها اليوم".

رسم توضيحي لشجرة تين البنجال تشبه شجرة تين البنجال العظيمة الهائلة والموجودة في الحديقة النباتية في كلكتا. من كتاب مشاهد من كلكتا وضواحيها بقلم السير تشارلز دي أويلي. 12613.dd.22. © مجلس المكتبة البريطانية ٢٠١٤
رسم توضيحي لشجرة تين البنجال تشبه شجرة تين البنجال العظيمة الهائلة والموجودة في الحديقة النباتية في كلكتا. من كتاب مشاهد من كلكتا وضواحيها بقلم السير تشارلز دي أويلي. 12613.dd.22. © مجلس المكتبة البريطانية ٢٠١٤

تم جمع العينات ليس فقط من كافة أرجاء الهند ولكن أيضاً من كافة أرجاء المعمورة حيثما كان هناك وجود للبريطانيين. وجدت نباتات من الصين وبورما وإندونيسيا وأوروبا، وبطبيعة الحال من البلاد العربية وبلاد فارس، طريقها إلى هذه الحديقة. وكان من النباتات ذات الأهمية الاقتصادية الموضوعة على رأس الأولويات شجر الساج ونخل الساغو وأنواع عديدة من البهارات مثلاً. ويرجع الفضل في وجود صناعات الشاي في آسام والهيمالايا بشكل كبير إلى استيراد النبات إلى الحديقة من الصين.

’صندوق المعارف العامة‘

كان توسع الأفكار والممارسات العلمية في أوروبا آنذاك يكتسب زخماً ويمضي بوتيرة عالية مدفوعاً في الغالب الأعم بشبكة غير رسمية من الأفراد. حيث كان قضاء وقت الفراغ في استكشاف جوانب البيئة المحيطة المحلية بما فيها النباتات والحيوانات والجيولوجيا والأعراف المحلية يُعتبر من "المساعي الجنتلمانية" وكان يمارس ذلك عمال الشركة والمغامرون التجار على مستوى عالمي جديد.

وقد تعززت هذه المعارف بفضل مراسلات غزيرة بين من جمعها لتصبح في نهاية المطاف على مستوى مؤسسي في صورة منظمات مثل الجمعية الآسيوية (تأسست في ١٧٨٤، وسُميت في وقت لاحق: جمعية البنجال الآسيوية).

وبدأت شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا بتقديم الدعم بفاعلية لهذه المشاريع ولكن بالتدريج. فكانت الحديقة النباتية في بنجال أحد الأمثلة الأولى لهذا الدعم والتي جعلت الخليج جزءاً من مشروع علمي أوروبي متوسع أمل كيْد بأنه من الممكن أن "يضيف إلى صندوق المعارف العامة".

رسمة لنخيل التمر.WD2019 © مجلس المكتبة البريطانية ٢٠١٤
رسمة لنخيل التمر.WD2019 © مجلس المكتبة البريطانية ٢٠١٤

مهمة ويليام فرانكلين في بلاد فارس

اعتقد المقيم بالبصرة صموئيل مانيستي أنه يمكن إيجاد بعض النباتات المطلوبة في بلاد فارس، فكتب في ٧ ديسمبر ١٧٨٧ إلى تشارلز واتكينز المقيم الجديد في بوشهر آملاً نجاح ويليام فرانكلين في رحلته إلى شيراز في محاولته للحصول على هذه النباتات.

تلقى فرانكلين التمويل من الشركة وكان عالماً مهذباً أصيلاً "جنتلمان" قضى ثمانية أشهريعيش مع عائلة فارسية في شيراز حيث تعلم اللغة والمزيد عن الأعراف المحلية أكثر مما كان معروفاً حتى ذلك الوقت. استمر يحظى بسمعة طيبة باعتباره مستشرقاً وأصبح عضواً في مجلس الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا وأيرلندا (تأسست سنة ١٨٢٣). وبالرغم من هذه الإنجازات، إلا أنه لا يبدو أن مهمته في جلب النباتات للحديقة النباتية في بنجال  كُللت بالنجاح.

تشير الدلائل إلى أنه لم تصل إلى كلكتا أي نبتة غير النخلة من تلك الأنواع للنباتات المدرجة في الخطاب المُرسل إلى جالي. حيث وعد مانيستي في خطاب موجه إلى الحاكم العام في فورت ويليام بإرسال ستة من تلك الأشجار ومن ذكورها وإناثها. وبالفعل، في قائمة جرد للحديقة في نوفمبر ١٧٩٠ هنالك تسع نخلات مدرجة. وبعد سنة واحدة فقط كان هناك خمس عشرة نخلة.

لا تزال الحديقة في يومنا الحاضر وتُعرف الآن باسم حديقة أشاريا جاجاديش تشاندرا بوس النباتية الهندية. ربما استُبدلت النخلات الأصلية منذ ذلك الحين، ولكن الرسالة التي تطلبها ما زالت تبرز ضمن سجلات مقيمية بوشهر كإشارة نادرة إلى طموح شركة كان يتجاوز كونه صِرفاً تجارياً أو سياسياً.