البروباجندا النازية في الشارقة خلال الحرب العالمية الثانية

لوي أولداي

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج واللغة العربية
الشارقة في ١٩٤٠. تصدح النشرات الإذاعية النازية من أجهزة الراديو فتثير المشاعر الموالية للألمان بين سكان المدينة من ناحية، وتثير استياء وارتباك المسؤولين البريطانيين من ناحية أخرى.

تنكّر عبد الرزاق زروقي (يُشار إليه عادةً بعبد الرزاق)، وكيل المقيمية البريطانية في بوشهر، في إحدى ليالي شهر يونيو ١٩٤٠، واتجه قاصدًا قصر الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة.

الإذاعات الألمانية

 بعد تلقيه تقارير عن قيام الشيخ بتشغيل محطات الإذاعة الألمانية الناطقة بالعربية بصوتٍ عالٍ إلى درجة سماعها من على بعد مائتيّ ياردة، قرر زروقي أن يثبت بنفسه صحة تلك الشائعات. وأكّدت زيارته للقصر صحة هذه التقارير. لذا دوّن ما خلُص إليه في رسالة أرسلها إلى رئيسه هيو وايتمان، الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية البريطاني.

وأوضح زروقي في الخطاب أن "حشدًا كبيرًا من الناس يتجمع هناك [عند القصر] لسماع الأخبار الألمانية". وكتب مشيرًا إلى آخر الأحداث الواقعة في فرنسا، يُرجّح إشارته لاحتلال القوات الألمانية لفرنسا منذ مايو ١٩٤٠، قائلاً "تحدث بعض الأشخاص بحرية تامة عن قوة ألمانيا الهائلة وانهيار فرنسا والذي سيتبعه قريبًا السقوط الكامل لبريطانيا".

كتابة عبارة "يحيا هتلر"بالطباشير على جدران الشارقة

خمّن زروقي أن أحدًا في الشارقة "لا يجرؤ على التحدث ضدّ الحكومة البريطانية ما لم يكن مدعومًا من بعض الأشخاص المسؤولين". ولمّا كانت مناصرة الشيخ للألمان أمرًا يصعب تصديقه بالنسبة له، فقد عقد العزم على إجراء "تحريات حذِرة محاطة بالسرية"للكشف عن هوية ذلك الشخص المسؤول. وانتهت تحرياته إلى أن المصدر الرئيسي للمشاعر المناهضة لبريطانيا هو عبد الله بن فارس، سكرتير الشيخ وأحد أبناء الشارقة وابن أحد سكان نجد في شبه الجزيرة العربية.

وشرح زروقي لوايتمان أنه بالرغم من حديث بن فارس اللطيف والمليء بالمدح والثناء للحكومة البريطانية أمامه، إلا أن بن فارس حرّض "من وراء الستار"عامة الشعب تحت تأثيره على نشر الشائعات عن انتصارات القوات الألمانية واندحار القوات البريطانية. ويبدو أن بن فارس كان مقتنعًا بخسارة البريطانيين للحرب. وأشار زروقي إلى أن بن فارس عبّر عن هذا الاعتقاد خلال أحد الاجتماعات العامة أو أثناء انعقاد مجلس القاضي (أعلى سلطة دينية). كما أشار إلى كتابة شعارات "يحيا هتلر"و"الحق مع ألمانيا"بالطباشير على جدران وسط المدينة.

الصفحة الأولى لتقرير زروقي عن محطات الإذاعية الألمانية الناطقة بالعربية. IOR/R/15/1/281، ص. ١٦٦
الصفحة الأولى لتقرير زروقي عن محطات الإذاعية الألمانية الناطقة بالعربية. IOR/R/15/1/281، ص. ١٦٦

الدعاية الحربية باللغة العربية

على الرغم من تضارب التقارير التي تحدثت عن محطات الإذاعة الألمانية الناطقة باللغة العربية ووجود مشاعر مناصرة لألمانيا في إحدى المدن الصحراوية على ساحل الخليج، إلا أنها لم تكن مفاجئة في الواقع نظرًا لجهود الدعاية واسعة النطاق التي وجّهتها الحكومة الألمانية نحو الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الثانية.

فبين سنتيّ ١٩٣٩ و١٩٤٥، بثت الحكومة الألمانية على الموجة القصيرة عدة برامج إذاعية ناطقة باللغة العربية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما بثت الحكومة الإيطالية كذلك عدة برامج ناطقة باللغة العربية للمنطقة (١٩٣٤-١٩٤٣). وسرعان ما استجابت الحكومة البريطانية مباشرةً لتلك الجهود في نوفمبر ١٩٤٠ عندما أسست محطة الإذاعة البحرينية.

الشيخ سلطان يرسل رسالة إلى الوكيل البريطاني يعبّر فيها عن ولائه التامّ لبريطانيا. IOR/R/15/1/281، ص. ١٧٢
الشيخ سلطان يرسل رسالة إلى الوكيل البريطاني يعبّر فيها عن ولائه التامّ لبريطانيا. IOR/R/15/1/281، ص. ١٧٢

محطات الإذاعة الألمانية تقدم النازيّين كمقاومين للإمبرالية

قدّمت برامج البثّ الناطقة بالعربية على محطات الإذاعة الألمانية النظام النازي باعتباره داعمًا قويًا لمقاومة الإمبرالية. وليس من باب المفاجأة، لا سيما فيما يخصّ دور بريطانيا في الشرق الأوسط، أن تلك البرامج وجدت جمهوراً من بين الأشخاص الخاضعين بشكلٍ غير مباشر لحكم سلطات المستعمرات البريطانية، خاصةً وأنها قد جاءت في وقتٍ بدا وكأن بريطانيا قد تخسر الحرب وذلك عقب سقوط فرنسا. وفي هذا السياق، كان زروقي ورؤساؤه على دراية تامة بأهمية إخماد أي مشاعر مناهضة لبريطانيا أو مناصرة لألمانيا حيث أولوا المسألة اهتمامًا كبيرًا للغاية.

"أكثر أصدقاء الحكومة البريطانية ولاءً وإخلاصًا"

واجه زروقي الشيخ بشأن أنشطته وطلب منه توضيحًا كما ذكّره بالتزاماته تجاه الحكومة البريطانية. وذكر زروقي لاحقًا لوايتمان أنه "مؤيد بشدة لاتخاذ أكثر الإجراءات صرامة ضد شخص وضيع كابن فارس الذي استغلّ بشكلٍ سيء للغاية [هذا] الموقف العالمي".

وتلبيةً لطلب زروقي، أرسل الشيخ سلطان في يوليو ١٩٤٠ خطابًا إلى وايتمان يعبّر فيه عن ولائه التامّ لبريطانيا وينفي بشكلٍ قاطع الاتهامات الموجهة ضد سكرتيره بن فارس. وذكر الشيخ قائلاً، "أننا أعداء لألمانيا وإيطاليا والدول التابعة لهما في جميع الأحوال فيما يتعلق بهذه الحرب".

الحيل التي لجأ إليها بن فارس

اشتمل الخطاب أيضًا على عريضة وقع عليها ثمان وأربعون من المواطنين البارزين المقيمين في الشارقة يشهدون بولاء بن فارس ويفنّدون المزاعم المثارة ضده. وبحلول شهر أغسطس، اكتشف البريطانيون أن بن فارس حاز تلك الوثيقة سرًا من خلال مخاطبة عدد من الرعايا البريطانيين والفارسيين المقيمين في الشارقة مصرحًا لهم "بأنه يتوقع الحصول على مرتبة شرفية أو لقب رفيع من الحكومة البريطانية تقديرًا لخدماته وأنه يلتمس مساعدتهم في التوقيع على شهادة تزكّيه".

عريضة وقّع عليها ثمان وأربعون من المواطنين البارزين المقيمين في الشارقة يشهدون بولاء بن فارس. IOR/R/15/1/281، ص. ١٧٤
عريضة وقّع عليها ثمان وأربعون من المواطنين البارزين المقيمين في الشارقة يشهدون بولاء بن فارس. IOR/R/15/1/281، ص. ١٧٤

وبغضّ النظر عن حيل بن فارس - والتي أخطر زروقي الموقعين المخدوعين بشأنها في أكتوبر ١٩٤٠ - تمكّن زروقي من إبلاغ وايتمان أنه بعد التحذيرات التي وجهها، بات الشيخ الآن "يتحاشى جميع الأحاديث والمواضيع الخاصة بالألمان والإيطاليين كما أنه يبذل قصارى جهده لإثبات أنه الصديق الأكثر ولاءً وإخلاصًا للحكومة البريطانية". وفي الوقت ذاته، "أحجم بن فارس عن الخوض في الأحاديث المناصرة للنازيين وأن الأنباء الواردة بشأنه حتى الآن تفيد بنشره للأخبار الطيبة فقط حول الحكومة البريطانية".

ولم تقتصر الدروس المستفادة من هذه الواقعة على توضيح المدى الجغرافي واللغوي المدهش لجهود الدعاية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية فحسب، ولكنها أظهرت علاوة على ذلك مدى جدية السلطات البريطانية في الاهتمام بمخاطر تلك الدعاية، حتى في مناطق إمبراطوريتها العالمية البعيدة بشكلٍ كبير عن النزاع الدائر حينها.

تقرير مقدم من زروقي يفيد بامتناع الشيخ وبن فارس بشكلٍ نهائيّ عن الخوض في الأحاديث المناصرة للنازيين. IOR/R/15/1/281، ص. ١٨٢
تقرير مقدم من زروقي يفيد بامتناع الشيخ وبن فارس بشكلٍ نهائيّ عن الخوض في الأحاديث المناصرة للنازيين. IOR/R/15/1/281، ص. ١٨٢

مصادر ثانوية

  • Manuela A. Williams, Mussolini’s Propaganda Abroad, (New York/Abingdon: Routledge, 2006)