البريطانيون في الخليج: نظرة عامة

لوي أولداي

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج واللغة العربية
خلال فترة تربو على ١٥٠ عام، منذ ١٨٢٠ وحتى انسحابها في ١٩٧١، كانت بريطانيا تهيمن على الخليج العربي، إلا أن طبيعة الهيمنة البريطانية قد تحولت من النفوذ الاقتصادي إلى الهيمنة السياسية، وخاصةً على الجانب العربي من الخليج.

على مدار أكثر من مائة وخمسين عامًا، من ١٨٢٠ وحتى انسحابها في ١٩٧١، كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة في منطقة الخليج. ومثلما الحال مع غيرها من القوى الأوروبية الأخرى، لا سيما البرتغالية والفرنسية والهولندية، كان اهتمام بريطانيا في البداية بمنطقة الخليج، والذي انطلق في القرن السابع عشر، يهدف لتطوير المصالح التجارية. وقد بدأت طبيعة التَدخُّل البريطاني تتغير بعد أن تمكنت من توطيد وتوسيع ممتلكاتها الاستعمارية في الهند.

شركة الهند الشرقية

كانت شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا لاعبًا أساسيًا في هذه التطورات - وهي واحدة من أكبر الكيانات التجارية وأكثرها تأثيرًا على الإطلاق. منذ سبعينات القرن الثامن عشر وما تلاها، تطور وضع الشركة في الهند من السيطرة الاقتصادية إلى لعب دور سياسي ساعد في تعزيزه جيشها وأسطولها الخاصين بها.

 

 

نقش "رصف التجارة الحرة" من قبل جيمس أبوت ماكنيل ويسلر، حوالي ١٨٥٩. بإذن من المتحف البحري الوطني (النسبة-غيرالتجاري-الترخيص بالمثل)
نقش "رصف التجارة الحرة" من قبل جيمس أبوت ماكنيل ويسلر، حوالي ١٨٥٩. بإذن من المتحف البحري الوطني (النسبة-غيرالتجاري-الترخيص بالمثل)

 

بعد أن أصبحت ممتلكات الشركة في الهند مُربحة للغاية، اكتسبت المنطقة المحيطة إلى جانب المسارات التجارية من وإلى الهند أهمية جديدة بالنسبة للشركة. وبهذا أزدادت مشاركتها في منطقة الخليج مباشرةً، وعلى الرغم من سعيها في البداية لحماية سفنها وموظفيها في المنطقة، فإن ذلك قد تطور إلى سيطرة سياسية فرضها استخدام القوات العسكرية ولا سيما البحرية. وكان جزء كبير من هذه التحركات يقوم على الاستراتيجية التي تتبعها بريطانيا لمنع القوى الاستعمارية المتنافسة من التدخل في الخليج.

الضرائب والمواجهات مع القواسم

في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، سيطر اتحاد قبائل القواسم على مضيق هرمز، وهو نقطة العبور إلى الخليج. كان للقواسم أسطول هائل من السفن التجارية والحربية مقره رأس الخيمة والشارقة بالتبادل. وكانت الضرائب هي مصدر الدخل الرئيسي للقواسم، حيث قاموا بفرضها على جميع أنواع التجارة المارَّة عبر مضيق هرمز.

رفض البريطانيون دفع هذه الضرائب وبطبيعة الحال تأججت توترات بالغة بين القواسم والبريطانيين. ووصل الحال بالبريطانيين إلى أنهم نعتوا القواسم "بالقراصنة". وبعد سلسلة من المواجهات بين الجانبين في ١٨٢٠، حاصرت القوات البريطانية رأس الخيمة ودمَّرت أسطول القواسم بالكامل؛ وبالتالي بدأت الهيمنة البريطانية على المنطقة.

 

 رأس الخيمة، حوالي ١٨٢٠. ملك مجلس المكتبة البريطانية
رأس الخيمة، حوالي ١٨٢٠. ملك مجلس المكتبة البريطانية

المعاهدة العامة للسلام ١٨٢٠

بعد انتصارهم الساحق على القواسم، فرض البريطانيون معاهدة لمكافحة القرصنة عُرفت باسم المعاهدة العامة للسلام سنة ١٨٢٠على جميع الحكام العرب في المنطقة. ولتفعيل الاتفاقية وإدارة علاقاتهم مع الحكام المحليين وحماية التجارة البريطانية في الخليج، استحدث البريطانيون منصب الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية في الخليج العربي الأدنى.

بدأ الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية ممارسة مهام منصبه للمرة الأولى من جزيرة قشم، ثم انتقل إلى بوشهر على البر الرئيسي في ١٨٢٢ واندمج مع المنصب الذي كان متواجدًا بالفعل وهو "مقيم شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا في بوشهر" ليصبح المنصب "المقيم في الخليج الفارسي" ( تم تغيير اللقب إلى" المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 في الخليج الفارسي" عقب خمسينات القرن التاسع عشر) وهو أرفع منصب لمسؤول بريطاني في الخليج، ومن ثم صاحب أعلى السلطات في المنطقة.

معاهدات أخرى والتأسيس الرسمي للهيمنة البريطانية

عقب إبرام المعاهدة البحرية العامة ١٨٢٠، صدَّق الحكام العرب المحليون على عدد من المعاهدات الأخرى التي منحت الهيمنة البريطانية في المنطقة طابعاً رسمياً وقلَّصت من قدرة الحكام على التصرُّف بشكل مستقل دون الموافقة البريطانية. وقد أدى ما كان يُسمى بالسِلم البريطاني  إلى زيادة الاستقرار و زيادة حجم التجارة في المنطقة. وسعت الأُسر الحاكمة للحصول على الحماية البريطانية كوسيلة لتأمين حُكمهم وحماية أقطارهم.

بالتوقيع على معاهدة الهدنة البحرية ١٨٥٣، تنازل الحُكام العرب رسميًا عن حقهم في شن الحروب البحرية في مقابل الحصول على حماية البريطانيين ضد التهديدات الخارجية الموجهة لحُكمهم.

عقب التمرد الهندي سنة ١٨٥٧، استحوذت الحكومة البريطانية على ممتلكات شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا في الهند (ومثَّل ذلك بداية الاستعمار البريطاني للهند بشكل رسمي) ومن سنة ١٨٥٨ وما بعدها تولت الحكومة مسؤولية المحافظة على الوضع الراهن في الخليج.

إبَّان القرن التاسع عشر، صدَّق البريطانيون أيضًا على عدد من الاتفاقيات الثنائية مع حُكام المشيخات العربية المنفردين، مما منح البريطانيين السيطرة على العلاقات الخارجية للحُكام بالإضافة إلى مسؤولية الدفاع عنهم. وفي حين ظل النفوذ البريطاني قويًا في المنطقة خلال هذه المدة، فإن الأسرة القاجارية الحاكمة لم تتخلَى رسميًا عن سيطرتها على العلاقات الخارجية، ولم يتكررعلى الإطلاق مستوى النفوذ السياسي الذي أخضعت بريطانيا له المشيخات العربية الكثيرة في فارس.

الوكالات السياسية، اكتشاف النفط واستقلال الهند

من منتصف القرن التاسع عشر وما تلاه، توطدت الهيمنة البريطانية على المنطقة من خلال التواجد العسكري البحري بقيادة "المسؤول البحري البريطاني في الخليج". ولم يتردد المسؤولون البريطانيون في المنطقة تجاه إصدار الأوامرفي بعض الأحيان بتفجير حصون وقصور الحُكام العرب إن لم يُبدوا الحُكام التزامًا كافيًا بالمحافظة على المصالح البريطانية. وقد عمل هؤلاء المسؤولون في شبكة من الوكالات السياسية تواجدت في أوقات مختلفة في لنجة والبحرين والكويت والشارقة ومسقط والدوحة ودبي وأبوظبي وجوادر والجيب العماني الموجود اليوم في دولة باكستان.

كان التنسيق بين جميع هذه الوكالات يتم من قِبل المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 في بوشهر حتى سنة ١٩٤٧ حينما تم نقل المقيمية إلى البحرين.

بعد ١٩٤٧، واستقلال الهند، تولت الحكومة البريطانية في لندن مسؤولية المحافظة على النفوذ البريطاني في الخليج. وخلال هذه الحقبة، كان اكتشاف حقول النفط الهائلة يعني اكتساب منطقة الخليج أهمية جيوستراتيجية كبيرة في حد ذاتها ولم تعد أهميتها تكمن بعد في علاقتها بالهند وقربها منها.

وبين ١٩١٣ و١٩٢٣ حصلت بريطانيا على تأكيدات حُكام الخليج بمنح امتيازات نفطية للشركات التي تُصدِّق عليها الحكومة البريطانية. وحيث تم اكتشاف آبار النفط خلال ثلاثينات القرن العشرين، سعت بريطانيا لضمان منح هذه الامتيازات فقط لشركات مملوكة لها. ومنذ خمسينات القرن العشرين وما تلاها، وحيث تطورت صناعة النفط وازدادت ثروات الدول العربية - وبخاصةٍ الكويت - شجَّع البريطانيون حُكام الخليج على استثمار عوائد النفط الفائضة لديهم في بريطانيا.

وفي نهايات خمسينات القرن العشرين، تعرَّض التواجد البريطاني في المنطقة لنقد متزايد حيث اكتسبت أفكار القومية العربية شهرة واسعة في العالم العربي. وعلى الرغم من نيل الكويت استقلالها في ١٩٦١، إلا أن بريطانيا ظلت مهيمنة على الخليج لعقد آخر حتى ١٩٧١ حيث غادرت المنطقة رسميًا وحصلت دول خليجية أخرى على استقلالها.

في حين تخلت بريطانيا عن سيطرتها السياسية المباشرة على المنطقة، إلا أنها احتفظت بقدر كبير من النفوذ حيث استمرت الصلات الوثيقة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين بريطانيا ودول الخليج العربي قائمةً حتى يومنا هذا.

مصادر ثانوية