التلغرافات والآلات الكاتبة: تأثير التكنولوجيا على مسك الدفاتر في بوشهر

د. مارك هوبز

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج، المكتبة البريطانية
حولت تكنولوجيا الاتصالات مهنة مسك الدفاتر في المقيمية البريطانية في بوشهر.

يمتد تاريخ الإدارة البريطانية في الخليج العربي لنحو قرنين من ١٧٦٣ إلى ١٩٤٧، وخلالهما كان المقيمون المتعاقبون وموظفيهم يرسلون ويستلمون مئات الآلاف من الخطابات. مع مرور الوقت، تغير كثيراً أسلوب كتابة، إرسال، استلام، تنظيم وتخزين هذه المراسلات.

كابلات التلغراف الشرقية - ١٩٠١ - مِلك مشاع
كابلات التلغراف الشرقية - ١٩٠١ - مِلك مشاع

خلال معظم القرن التاسع عشر، كانت المراسلات المرسلة والمستلمة في المقيمية تُنسخ بخط اليد في مجلد المراسلات (ثم تُترجم من الأصل العربي أو الفارسي متى لزم ذلك) بمعرفة فريق من الكتبة والمُنشيين [معلمي اللغة المحلية أو سكرتيرات محليين]. وجرى تسهيل هذه الأعمال بالتوريد الدائم للورق النشاف، الريشات، الحبر الأسود، الرمل اللامع والمحايات الهندية.

مقتطف من طلب قرطاسية صادرة من المقيمية، فبراير ١٨٣٠. IOR/R/15/1/54، ص.٦٧–٦٨
مقتطف من طلب قرطاسية صادرة من المقيمية، فبراير ١٨٣٠. IOR/R/15/1/54، ص.٦٧–٦٨

التلغراف والآلة الكاتبة

وفي الحقبة الأخيرة من القرن العشرين، بدأ شكلان جديدان من التكنولوجيا في تغير طريقة التواصل بين المقيمية في بوشهر والحكومة في بومباي. تمثلت أولى هاتين التقنيتين في خط التلغراف الهندو- أوروبي الذي بدأ من لندن، عبر البر الأوروبي وآسيا الصغرى، ومروراً عبر بوشهر نحو كراتشي وكلكتا. وبدأ عمل خط التلغراف الهندو- أوروبي في أبريل ١٨٧٠.

أما الاختراع الثاني المهم فتمثل في الآلة الكاتبة، التي اخترعها كريستوفر شولز وكارلو جليدن في الولايات المتحدة في ١٨٦٧. وحصلت شركة تصنيع الأسلحة "إي رمينجتون وأولاده" الترخيص للإنتاج الشامل للآلة الكاتبة في١٨٧٣. بدأت الآلات الكاتبة أن تظهر في مكاتب المسؤوليين البريطانيين في الخليج في وقت ما من ثمانينيات القرن التاسع عشر. وكانت هناك ميزة مضافة في الآلات الكاتبة، وهي استخدام ورق الكربون لعمل نسخ مع الأصل، مما يقلل من الحاجة لعمل نسخ باليد في مجلد النُسخ.

مقتطف من خطاب مكتوب بالآلة الكاتبة من ملفات مقيمية بوشهر بتاريخ ١٦ أغسطس ١٨٨١. IOR/R/15/1/187، ص. ٥٢
مقتطف من خطاب مكتوب بالآلة الكاتبة من ملفات مقيمية بوشهر بتاريخ ١٦ أغسطس ١٨٨١. IOR/R/15/1/187، ص. ٥٢

الاتصالات الأولى بالتلغراف

في البداية، كان تأثير خط التلغراف الهندو - أوروبي محدودًا. وكانت عملية إرسال التلغرافات الأولى أمراً مكلفًا ( كلفت رسالة من عشرين كلمة نحو ٥ جنيهات إسترلينية) وكان يلزم إرسالها واستلامها من خلال شفرة موريس، ويمكن أن تستغرق عدة أيامًا حتى تصل إلى وجهتها - هذا إن وصلت أصلًا. ولأنه كان يلزم إعادة إرسال كل رسالة اثنتي عشرة مرة أو أكثر إلى وجهتها – غالبًا من قبل مشغلين غير ملمين باللغة الإنجليزية – وصلت المراسلات التلغرافية أحياناً في هيئة غير مفهومة وصعبة القراءة. ومثال على ذلك، تلك الرسالة المستلمة في المقيمية في ١٨٧٩ والتي تم تدوينها بشكل خاطئ كما يلي: ‘Avaide employing Andreas bout bistish museaum’.

تلغراف إلى الكولونيل روس، المقيم في الخليج العربي، ١١ نوفمبر ١٨٧٩. IOR/R/15/1/192، ص. ٥٧
تلغراف إلى الكولونيل روس، المقيم في الخليج العربي، ١١ نوفمبر ١٨٧٩. IOR/R/15/1/192، ص. ٥٧

رغم أن الآلات الكاتبة ساعدت في توحيد طريقة عرض الخطابات (مما ساعد أمناء الأرشيفات في عملهم كخبراء في علم الخطاطة)، إلا أنها لم تغير طريقة إرسال الخطابات. أضطر مسؤولو الحكومة في الهند والخليج الانتظار حتى أوائل القرن العشرين لحين اختراع المبرقة الكاتبة، والتي جمعت بين سهولة كتابة الخطابات على آلة كاتبة وسرعة الاتصال التلغرافي.

تطورات تكنولوجية

في العقود الأولى من القرن العشرين، وسّع المسؤولون البريطانيون نطاق إدارتهم لمنطقة الخليج العربي من خلال التحسينات التكنولوجية المستمرة وزيادة سرعة شبكة الاتصالات بالاضافة إلى موثوقيتها. وأدى ابتكار التلغراف اللاسلكي، وكان رائدها جوليلمو ماركوني في تسعينيات القرن التاسع عشر، إلى تأسيس الاتصالات التلغرافية بين بوشهر والبحرين وبين مسقط والشارقة.

سمح ذلك الإتصال المباشر واليومي بين المقيم في بوشهر ووكلائه في أرجاء الخليج. وفوق كل هذا، من بين التحسينات للمبرقة الكاتبة أنه أصبح من الممكن أن يرسل المقيم خطابات إلى وكيل معين مع إرسال نسخ إلى الباقين في ذات الوقت. وكانت النتيجة زيادة هائلة في الأعمال الورقية. وعلى نحو متزايد، أصبح من الصعب أن يحفظ المراسلات وفق ترتيب زمني دقيق. بدلاً من ذلك، قام موظفو المقيمية بتنظيم المراسلات في ملفات مرتبة بحسب الموضوع، واستخدموا الملاحظات والحواشي المكتبية لإحالة المواد المترابطة.

صورة جانبية لملف من سجلات بوشهر يحتوي على أكثر من ٣٠٠ ورقة عن العلاقات بين نجد والعراق، وتغطي فترة الخمسة أشهر من مارس إلى يوليو ١٩٢٨. IOR/R/15/1/582
صورة جانبية لملف من سجلات بوشهر يحتوي على أكثر من ٣٠٠ ورقة عن العلاقات بين نجد والعراق، وتغطي فترة الخمسة أشهر من مارس إلى يوليو ١٩٢٨. IOR/R/15/1/582

أدت التغيرات في وسائل اتصال المسؤولين البريطانيين ببعضهم ما بين ١٨٧٠ و١٩٢٠ إلى إحداث تحول في طريقة إنشاء السجلات وتخزينها وتنظيمها في مقيمية بوشهر. وبما أن مجلدات المراسلات تطورت لتصبح مجموعات متنوعة تشمل الخطابات المكتوبة على الآلة الكاتبة، المنسوخة بالكربون، الملاحظات المكتوبة بخط اليد، المواد المطبوعة وقسائم التلغراف، فقد تعرض كل مقيم لأحداث دائمة التغير مما أثرت على طريقة إتصاله مع زملائه في الأماكن البعيدة وكيفية تنظيمه هذا الأرشيف المتنامي من الأعمال الورقية.

مصادر ثانوية

  • Daniel Headrick, The Tentacles of Progress; Technology Transfer in the Age of Imperialism, 1850–1940 (Oxford: Oxford University Press, 1988)
  • Julia Chenot Goodfox, ‘Printers’ in Encyclopaedia of 20th-century technology ed. by Colin A. Hempstead (London: Routledge, 2005)
  • Anton A. Huurdeman, The Worldwide History of Telecommunications (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2003)
  • Penelope Tuson, The Records of the British Residency and Agencies in the Persian Gulf (London: India Office Library and Records, Foreign and Commonwealth Office 1979)