الخدمة: نهج بريطانيا العملي تجاه نظام العدالة في الخليج

بقلم

متخصص أرشيف
لا يمكن تطبيق الدراسات التي تُبرز اختلافًا جوهريًا في سنة ١٩١٥ بين التفسيرات الغربية والعربية للإجراءات القضائية المتبعة في البحرين على تاريخ ولاية بريطانيا القضائية في منطقة الخليج ككل.

ولعله من المدهش أن منطقة الخليج قد شهدت في أوائل القرن التاسع عشر نظامين قضائيين فاعلين بدا أنهما يعملان في تناغم؛  فمن جهة، هناك الشريعة المتأثرة بالأعراف المحلية والسارية على السكان المحليّين والتي يشرف الشيوخ على تطبيقها، ومن جهة أخرى هناك الولاية القضائية البريطانية السارية على الرعايا البريطانيين والأجانب. ولكن في تطبيق نظمهم القضائية على الخليج، حرص البريطانيون على عدم الإساءة إلى الأعراف العربية القائمة ذات الطبيعة المتنوعة. وقد أسفر هذا التصادم المحتمل للثقافات عن عدة صعوبات مع الحكام المحليّين.

الخدمة

واختصت إحدى تلك المشاكل بـ الخدمة  . وكانت الخدمة عبارة عن مبلغ تقليدي تدفعه الوكالة السياسية البريطانية إلى شيخ البحرين أو عمّاله بقيمة عشرة بالمائة من جميع المبالغ المدفوعة لمحكمة الوكالة في الدعاوى المدنية وإجراءات الإعسار. وكان الشيخ يستعين بتلك الأموال في مكافأة الأمراء المحليّين.  وكان دفع الخدمة لا يقتصر على الحالات التي يكون فيها أحد الطرفين من رعايا الشيخ، بل حتى عندما يكون كلا الطرفين من الرعايا البريطانيين أو الأجانب. ولم تكن هناك أي مبالغ مُستحقة بموجب بند الخدمة في القضايا التي تم تسويتها بصورة ودية.

وفي ١٩١٥، حذر تيرينس همفري كيز، الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية في البحرين من إقرار جدول رسوم منتظمة وغير مرنة بموجب المرسوم الملكي البريطاني للبحرين من أجل بدء أي دعوى مدنية، وهو ما اعتبره "أمرًا غريباً للمعتقدات العربية بشأن العدالة".  واقترح الوكيل بدلاً من ذلك وضع جدول رسوم مُنقح للقضايا البريطانية والأجنبية: وفي مقابل ذلك يتلقى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة شيخ البحرين تعويضات تصل قيمتها إلى ثلاثمائة روبية شهريًا. ومع ذلك ظل نظام الخدمة قائمًا في الدعاوى التي تشمل رعايا بحرينيين لتجنب الإساءة للأعراف المحلية.

خطاب من النقيب تيرينس همفري كيز، الوكيل السياسي في البحرين إلى الرائد أرثر بريسكوت تريفر، المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢٩ مايو ١٩١٥ بشأن موضوع رسوم المحاكم والخدمة. IOR/R/15/1/299، ص. ١٩٢
خطاب من النقيب تيرينس همفري كيز، الوكيل السياسي في البحرين إلى الرائد أرثر بريسكوت تريفر، المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢٩ مايو ١٩١٥ بشأن موضوع رسوم المحاكم والخدمة. IOR/R/15/1/299، ص. ١٩٢

وبالرغم من ذلك، كان كيز قلقًا من أن تلقى الرسوم المنخفضة المقترحة تعنتًا من جانب إدارة الخارجية ومكتب الهند ووزارة الخارجية ووزارة الخزانة - لا سيما الأخيرة التي وصفها بـ "موطن الجشع". وعلاوة على ذلك، شنّ الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني شيخ قطر حملة ضد نظام الخدمة على أساس كونه مغايرًا لتفسيره للشريعة، مما يعني أن البريطانيين قد يواجهون معارضة حتى ضد الرسوم الجديدة المنخفضة.

وفي النهاية، رفض شيخ البحرين سداد المبلغ المقترح المقدر بثلاثمائة روبية شهريًا، خوفًا من اعتقاد حكام العرب بأنه خادم تابع لبريطانيا. وفي نهاية المطاف، وافق في ١٩١٩ على التخلي تمامًا عن سداد رسوم الخدمة في القضايا التي تشمل رعايا بريطانيين وأجانب ووافق على شروط المرسوم الملكي البريطاني.

النهج البريطاني العملي

تشير سجلات مكتب الهند إلى ندرة مثل تلك النزاعات.  وتشير المراسلات التفصيلية بين المسؤولين في لندن والهند والخليج إلى أن البريطانيين قد ناقشوا بعناية مسألة إقرار المراسيم الملكية البريطانية ولوائح الملك (مجموعة من اللوائح المستخدمة كدليل للمسؤولين في السلوك المنضبط والشخصي)، كما استعانوا بالمراسيم القائمة كنماذج للتشريعات الجديدة. ونقيضًا لسعيهم نحو فرض النظم القضائية الغربية، كثيرًا ما عاني البريطانيون الأمرّين لبسط الأعراف المحلية على الأشخاص المنضوين تحت حكمهم المباشر.

غطاء من لائحة الملك بموجب المادة ٧٨ من مراسيم الشورى لمسقط، ١٩١٥، بما يتصل بالأمور البلدية في مسقط، بتاريخ ١٩٣٥. IOR/R/15/1/297، ص. ١٨٩
غطاء من لائحة الملك بموجب المادة ٧٨ من مراسيم الشورى لمسقط، ١٩١٥، بما يتصل بالأمور البلدية في مسقط، بتاريخ ١٩٣٥. IOR/R/15/1/297، ص. ١٨٩

العدالة التعاونية

مستخلص (فقرة ٢) لمشروع لائحة الملك التي تقضي بفرض القوانين والأعراف المحلية على الرعايا البريطانيين في مسقط، ١٩٢٠. IOR/R/15/1/297، ص. ١٣١ظ
مستخلص (فقرة ٢) لمشروع لائحة الملك التي تقضي بفرض القوانين والأعراف المحلية على الرعايا البريطانيين في مسقط، ١٩٢٠. IOR/R/15/1/297، ص. ١٣١ظ

وهكذا عمد البريطانيون في ١٩٢٠ بمسقط إلى تغيير المرسوم الملكي القائم لبسط اللوائح المحلية على الرعايا البريطانيين (كان معظمهم من الهنود البريطانيين) بغية الحدّ من الانتهاكات المسلحة. وقاموا بذلك مجددًا في ١٩٣٥ لتحسين مرافق الصرف الصحي بالبلديات في مسقط ومطرح. وفيما يتعلق بالمحاكم الخاصة بهم، تشير الملفات إلى أن المسؤولين البريطانيين طبّقوا العدالة على الرعايا البريطانيين والأجانب على نحوٍ منصف ومراعي للضمير.

حرص البريطانيون على تعديل ولايتهم القضائية خارج حدود الإقليم كلما اقتضت الحاجة ذلك كما احترموا الأعراف المحلية. وقد وصف المؤرخ القانوني حسين البحارنة العلاقة بين المؤسسات المحلية والمحاكم البريطانية بالعلاقة التعاونية. وعندما برزت المشاكل مع الحكام المحليين وبين الدول المجاورة، ناقش المسؤولون البريطانيون المتمرسون مثل كيز القضايا بعناية وتوصّلوا إلى حلول دبلوماسية مراعية المشاعر المحلية.

مصادر ثانوية

  • Dr H. M. Al Baharna, British Extra-Territorial Jurisdiction in the Gulf 1913–1971 (Cambridge: Archive Editions, 1998)