رد حكومة في الهند على "حادثة دبي"

بقلم

متخصص أرشيف، المكتبة البريطانية
لأن الحكومة في الهند كانت حريصة على الحفاظ على السلام، وتخشى تعكير العلاقات مع شيوخ الساحل المتصالح، فقد أدانت المسؤولين عن القصف الدموي لدبي في ١٩١٠ وعواقبه.

ربما بدا الأمر وكأنه مجرد مثال آخر لدبلوماسية البوارج ولكن السجلات المعاصرة توضح اعتراض السلطات البريطانية  على القصف البحري الذي وقع في ١٩١٠ وعُرف فيما بعد بحادثة دبي.

الأسلحة غير المشروعة والإجراءات العِقابية

كان المفترض أن تؤدي التقارير عن وجود مخبأ في دبي تُخزن فيه الأسلحة غير المشروعة إلى عملية تحقيق بسيطة وواضحة، إلا أن تلك العملية أسفرت عن معركة بالأسلحة النارية وقصف بحري وسقوط العديد من القتلى. وبعد هذه الحادثة، اتخذ كبار المسؤولين البريطانيين في المنطقة، وهما المقيم البريطاني في الخليج المقدم بيرسي كوكس والقائد العام لمحطة جزر الهند الشرقية، اللواء سير إدموند سليد، إجراءات سريعة لفرض مطالب عقابية على شيخ دبي، بما فيها تسليم أربعمائة بندقية وإنشاء محطة تلغراف بريطانية على أراضي الإمارة ودفع غرامة قدرها ٥٠ ألف روبية وقبول تعيين وكيل سياسي بريطاني في دبي مع الحرس العسكري الخاص به.

إلا أن الحكومة في الهند لم ترض عمَّا حدث في دبي. ففي برقية إلى كوكس بتاريخ ٢ يناير ١٩١١، أشارت الحكومة إلى أن القرار الذي اتخذه قائد وحدة الاستطلاع البري بالمضي في التفتيش، رغم غياب الشيخ في ذلك الوقت، "كان من المرجح أن يثير الأعمال الانتقامية، وهو قرار غير حكيم". علاوةً على ذلك، لم ترض الحكومة عن الشروط المفروضة على الشيخ التي وصفتها بأنها "باهظة" وأضافت أنه كان يجب استشارتها أولاً بخصوص الغرامة البالغة ٥٠ ألف روبية.

برقية من الحكومة في الهند إلى المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢ يناير ١٩١١ بخصوص الأحداث الأخيرة في دبي. IOR/R/15/1/235، ص. ٢٨
برقية من الحكومة في الهند إلى المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢ يناير ١٩١١ بخصوص الأحداث الأخيرة في دبي. IOR/R/15/1/235، ص. ٢٨

تضرر العلاقات

تتابع الحكومة في البرقية قائلًة: "إنها لا توافق على فكرة تعيين وكيل بريطاني بالقوة عن طريق القصف أو توظيف قوة قوامها ١٠٠٠ رجل، لأن إجلائهم قد يكون مستحيلًا دون تعريض الوكيل للخطر". كما كانت الحكومة في الهند خائفة أيضًا على الإضرار بالعلاقات مع الحكام الآخرين في المنطقة:

لم يكن الهدف المنشود في الأساس على قدر المخاطرة، وقد يؤدي الموقف الجديد في الساحل المتصالح إلى العديد من التطورات الخطرة. وعلى كل حال يتطلب الوضع التعامل بحرص، خشية أن يتضامن الشيوخ الآخرون مع شيخ دبي. والمطلوب الآن هو الإسراع في استعادة العلاقات الودية.

وتنتهي البرقية بالإشارة إلى وجوب شرح الموقف بوضوح للعرب في دبي والمناطق الآخرى للتأكيد على عدم رغبة الحكومة في الهند في إضعاف استقلالية شعوب الساحل المتصالح أو منع حصولهم على الأسلحة، لكن كل ما تسعى إليه هو منع تصدير الأسلحة إلى بلاد فارس، وذلك وفقًا لرغبة الحكومة الفارسية.

اختلاف وجهات النظر

دافع كوكس عن تصرفاته في رسالة إلى الحكومة في الهند بتاريخ ٨ يناير ١٩١١، قائلاً إنه لا يعتبر الشروط المفروضة على الشيخ باهظة، كما لا يعتقد أن الوضع في الساحل المتصالح أصبح خطرًا: فقد تعاون شيوخ الشارقة وأم القيوين مع البريطانيين وأشارت التقارير اللاسلكية الصادرة من المنطقة إلى "الرضا التام" على الوضع. مع ذلك، رفضت الحكومة في الهند أن تغير تقييمها الأساسي للحادثة.

رسالة من المقيم السياسي في الخليج العربي المقدم بيرسي زكريا كوكس إلى سكرتير الحكومة في الهند ردًا على الانتقادات الموجهة إليه من الحكومة في الهند بشأن "حادثة دبي". IOR/R/15/1/235، ص. ٤٧
رسالة من المقيم السياسي في الخليج العربي المقدم بيرسي زكريا كوكس إلى سكرتير الحكومة في الهند ردًا على الانتقادات الموجهة إليه من الحكومة في الهند بشأن "حادثة دبي". IOR/R/15/1/235، ص. ٤٧

اتفقت الحكومة البريطانية مع آراء الحكومة في الهند وأرسل وزير الخارجية برقية إلى نائب الملك بتاريخ ٥ يناير ١٩١١، يفيد فيها بأن "حكومة صاحب الجلالة تتفق بشكل عام مع الآراء المطروحة في البرقية المرسلة إلى كوكس، وتوافق تمامًا على رفضكم تعيين وكيل بريطاني بالقوة وعن طريق القصف".

الحذر

حرص البريطانيون على تجنب تكرار الحادثة. ففي مذكرة بتاريخ أغسطس ١٩١١ أبلغ اللواء البحري سليد قادةَ البحرية البريطانية في الخليج بأهمية توخي الحذر الشديد في المستقبل إزاء كل العمليات على الساحل التي تتعلق بمنع تجارة الأسلحة.

نسخ من البرقيات المتبادلة بين الحكومة البريطانية والحكومة في الهند والمسؤولين البريطانيين في الخليج بخصوص حادثة دبي. IOR/L/PS/18/B321، ص. ٥١
نسخ من البرقيات المتبادلة بين الحكومة البريطانية والحكومة في الهند والمسؤولين البريطانيين في الخليج بخصوص حادثة دبي. IOR/L/PS/18/B321، ص. ٥١

وتوضح الأوراق أن حادثة دبي لم تكن مجرد حالة سوء إإدارة لعملية الشرطة، فقد أدركت الحكومة في الهند وقوع الأخطاء الجسيمة على الفور، كما سعت للحد من الإضرار المحتمل بسمعة بريطانيا بين حلفائها في الخليج. وحيث أن هذه المنطقة تابعة لبريطانيا بموجب الالتزام بالمعاهدات وليس بشكل الحكم المباشر، فقد أراد البريطانيون بقدر الإمكان تفادي اللجوء لاستخدام القوة بشكل علني في المنطقة، خاصة مع وجود تنافس مع القوى الأوروبية الأخرى، إلا أن وقائع حادثة دبي قد أخلت بهذا المبدأ الهام.

رسم أولي للملازم الأول مايكل هاوتون بألوان مائية يُظهر مشهد "دبي بمقياس ٦ ونصف قامة". IOR/X/10310/14، ص. ١٥و
رسم أولي للملازم الأول مايكل هاوتون بألوان مائية يُظهر مشهد "دبي بمقياس ٦ ونصف قامة". IOR/X/10310/14، ص. ١٥و