كتاب مانالاوس في الأشكال الكرية

بقلم

أستاذ مشارك، جامعة واسيدا، اليابان
كان علماء الرياضيات في المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى هم أول من أدرك أهمية كتاب مانالاوس <الأشكال الكرية>، فقد اتبعوا نهج مانالاوس في الهندسة الكروية ثم مضوا في تطوير حساب المثلثات الكروية كفرع مستقل من فروع الرياضيات.

كتب مانالاوس السكندري (نشط في مطلع القرن الثاني الميلادي تقريبًا) كتابه <الأشكال الكرية> في وقت ازدهرت فيه الحياة الفكرية تحت الإمبراطورية الروماني. وقد تناول فيه النظريات القديمة في الهندسة الكروية ولكنه لم يُدرس بجدية في العصر القديم ولا تُوجد أي مخطوطة يونانية معروفة للنص.

المثلثات على جسم كروي

يمكن تقسيم مُحتوى البحث إلى ثلاثة أجزاء. يتناول الجزء الأول الخصائص الهندسية للمثلثات الكروية - المثلثات التي تكون جوانبها دوائر كبيرة على الكرة - عن طريق تطوير التشابه بينها وبين خصائص المثلثات المستوية التي تناولتها أصول إقليدس. يعرض الجزء الثاني كيف يمكن قياس أقواس المثلثات الكروية باستخدام أطوال الأوتار التابعة لها - المرتبطة رياضيًا بدوال الجيب التي تم تعريفها لاحقًا. يعتمد هذا الجزء على نظرية غالبًا ما تُعرف باسم نظرية مانالاوس، وفي العصور الوسطى سُمّيت بنظرية الشكل القطّاع.

رسم بياني لمثلث كروي. الرسم بخط د. جو رايت، المكتبة البريطانية، ٢٠١٥
رسم بياني لمثلث كروي. الرسم بخط د. جو رايت، المكتبة البريطانية، ٢٠١٥

يوضح الجزء الثالث كيف تُطَبّق المناهج الموضّحة في الجزء الثاني لحل مسائل علم الفلك الكروي – وهو مجال تُدرَس فيه موضوعات طول الليل والنهار أو أوقات ظهور النجوم أو أقواس الكسوف، التي يمكن حلها عن طريق اعتبار الأرض كرة صغيرة جدًا محاطة بنظام كوني كروي متحرك.

نهاية الجزء الثاني من كتاب مانالاوس &lt;الأشكال الكرية&gt;. Or 13127، ص. ٤٥و
نهاية الجزء الثاني من كتاب مانالاوس <الأشكال الكرية>. Or 13127، ص. ٤٥و

تُرجم كتاب مانالاوس <الأشكال الكرية> إلى العربية مرتين على الأقل أثناء فترة الثراء الثقافي في بداية عصر الخلافة العباسية الأولى في بغداد. وقد فُقدت كل الترجمات الأصلية، ولكن بقت بعض التصحيحات والأجزاء المدمجة من اثنين من تلك الترجمات التي قام بها من جاء بعد ذلك من العلماء في مصادر لاحقة.

متاهة الأشكال الكرية في العصور الوسطى

عكف علماء المسلمون على دراسة مجال الرياضيات الذي تناوله كتاب <الأشكال الكرية> من وقت ترجمته. وفي الوقت ذاته قاموا بدراسة الكتاب نفسه وأعاده تنقيحه فجعلوا منه نصًا أساسيًا في دراسة الرياضيات المتقدمة. قام كل من أبو عبد الله المهاني (٨٥٣-٨٦٦ م) ** هذه التواريخ تقريبية وأحمد بن أبي سعد (أو سعيد) الهروي (٩٥٦-٩٦٠م) ** هذه التواريخ تقريبية بتحرير ترجمة أولى ضعيفة كانت منقولة من اللغة السيريانية أو بقلم متحدثين بالسريانية. وأتم إسحاق بن حنين (٨٣٠-٩١٠م) ** هذه التواريخ تقريبية  نجل مترجم النصوص الطبية الشهير وهو نفسه مترجم مهم للنصوص الرياضية، ترجمة أخرى أفضل. وفيما بعد نقّح هذه النسخة أبو نصر منصور بن عراق (٩٥٠-١٠٣٦م) ** هذه التواريخ تقريبية .

وبالتالي فإن استيعابنا لرياضيات مينلاوس بُني على شبكة متداخلة من تلك النسخ وغيرها من كتاب <الأشكال الكرية>، كُتب معظمها في وقت كان نصه لا يزال يُعتبر مصدرًا حيًا لأفكار جديدة.

حكايات في الرسوم والمخطوطات

تحتوي مخطوطة المكتبة البريطانية (Or. 13127) على النص المنقح للهروي من كتاب <الأشكال الكرية>، بقلم ناسخ يُدعى إسماعيل أتمه في دمشق في الرابع من ربيع الثاني ٥٤٨ (٢٩ يونيو عام ١١٥٣). ويخبرنا إسماعيل أن نسخته مأخوذة عن نسخة لعالم رياضي معروف نسبيًا وهو ابن الساري بن الصلاح، الذي تُوفي في العام الذي تلي إتمام هذه النسخة. ولأن المخطوطة تحتوي على عدد من الملاحظات الرياضية لابن الصلاح، فمن المرجح أن إسماعيل كان تلميذًا له. إلا أن فحص الرسوم البيانية في المخطوطة يسلط بعض الضوء على النقل المبكر لهذا النص ويقدم دلائل مهمة عن كيف تم استخدام هذه المخطوطة فعلياً.

حرد المتن في نهاية المخطوطة التي يذكر فيه إسماعيل ابن الساري بن صلاح. Or 13127، ص. ٥١و
حرد المتن في نهاية المخطوطة التي يذكر فيه إسماعيل ابن الساري بن صلاح. Or 13127، ص. ٥١و

تحتوي المخطوطة بالإضافة إلى نص مانالاوس على مجموعة منفصلة ومتكاملة تقريبًا من الرسوم البيانية تحمل عنوان ’أشكال كتاب الأكر لمينلاوس نقل من نسخة لم يصلح بل ترجمت على الوضع الأول‘. ومن المثير أن نفس المجموعة مُضمّنة في آخر الثلث الأول من رسالة الهروي، بدون تطابق حقيقي بين ترقيم الرسوم والنص نفسه - مما يعزز احتمالية ألّا تكون المخطوطة قد استُخدمت في مجملها في الدراسة الجادة. وفي حالتها هذه استخدم أوراقها شخص يُدعى فتح الدين بن مظفر الصديقي، بمسجد السلطان الغوري بالقاهرة في ١٥٠٩، كمسودّة لكتابة بعض المقاطع في علم اللاهوت العقلاني وجدول قياسات من النوع الذي نجده في النصوص التعليمية الابتدائية في مصر من مختلف القرون وبلغات عدة.

ملاحظات فتح الدين بن المظفر الصديقي، كتبها في مسجد السلطان الغوري بالقاهرة، ١٥٠٩م. Or 13127، ص. ٥٥ظ
ملاحظات فتح الدين بن المظفر الصديقي، كتبها في مسجد السلطان الغوري بالقاهرة، ١٥٠٩م. Or 13127، ص. ٥٥ظ

من الواضح أنه على مدى التاريخ لم يدرس المخطوطات المختلفة من هذا النص الهام سوى قلة من العلماء، ولكن بالرغم من ذلك فإن أهمية النهج الذي يطرحه في مجال الهندسة الكروية دفعت علماء الرياضيات الجادين إلى الاستمرار في مراجعته وتنقيحه حتى بقى بمثابة مصدر إلهام لما استحدثوه من دراسات في الهندسة الكروية.

مصادر ثانوية

  • Axel Anthon Björnbo, Studien über Menelaos’ Sphärik. Beiträge zur Geschichte der Sphärik und Trigonometrie der Griechen, Abhandlungen zur Geschichte der mathematischen Wissenschaften, Heft 14, (Leipzig: Teubner, 1902)
  • Jan P Hogendijk, ‘Which version of Menelaus’ Spherics was used by Al-Maʾtaman ibn Hūd in his Istikmāl?’ , in Mathematische Probleme im Mittelalter - der Lateininsche und Arabische Sprachbereich , ed. by Menso Folkerts (Wiesbaden: Harrassowitz, 1996), pp. 17–44
  • Max Krause, ‘Die Sphärik von Menelaos aus Alexandrien in der Verbesserung von Abū Naṣr Manṣūr b. ʿAlī b. ʿIrāq mit Untersuchungen zur Geschichte des Texte bei den islamischen Mathematikern’, Abhandlungen der Gesellschaft der Wissenschaften zu Göttingen, Vol III, No. 17, (Berlin: Weidmann, 1936)
  • Nathan Sidoli, ‘The sector theorem attributed to Menelaus’, SCIAMVS 7, (2006), 43–79
  • Nathan Sidoli and Takanori Kusuba, ‘Al-Harawī’s Version of Menelaus’ Spherics’, Suhayl 13 (2014), 149–212