مها الملك: هدية ابن سعود الدبلوماسية للملك جورج الخامس

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج واللغة العربية
كانت هدية ابن سعود في سنة ١٩٢٠عبارة عن أنثى المها وهي أول هدية تمكنت من التغلب على الرحلة الصعبة من الجزيرة العربية إلى لندن.

في رسالة بين ملك بريطانيا وأمير نجد في سنة ١٩٢٠م لوحظ أن حيوانًا "فريدًا من نوعه" قد وصل إلى لندن، وفي الواقع "لم يصل آي حيوان آخر من الجزيرة العربية إلى إنجلترا على قيد الحياة من قبل".

 ورأى كاتب هذه الملاحظة أن وصول المها التي قدَّمها ابن سعود كهدية لها نوع من الأهمية الوطنية، لكن وصول هذا المخلوق إلى لندن كان بطريقة غير مباشرة ومليئة بالتحديات.

رحلة المها: من الرياض إلى الكويت

تم إيفاد المقدم روبرت إدوارد هاميلتون مع سانت جون فيلبي سنة ١٩١٧ إلى الرياض لبحث التوترات المستمرة بين ابن سعود وحسين بن علي شريف مكة، وفي اليوم الأخير لزيارة هاميلتون في الرياض قدَّم ابن سعود إليه ذكر وأنثى المها العربية كهدية للملك جورج.

غادر هاميلتون الرياض يوم ٥ ديسمبر مواجهًا تحديًا صعبًا يتمثل في العودة بالحيوانين إلى الكويت، ولقد أشار في مذكراته أن اثنين من الغلمان المرافقين له وجدوا في النهاية حلاً لذلك: "أحدهما يقود الحيوانين من الأمام باستخدام حبل واحد والآخر يدفع من الخلف." ولاحَظ بعد مرور يومين أن المها "يتّبعان الغنم الآن بتناغم جميل."

وبعد رحلة دامت لثلاثة وعشرين يوماً في الصحراء، وصل هاميلتون الذي كان مريضًا في ذلك الوقت ومعه المها إلى الكويت يوم ٢٨ ديسمبر.

من الكويت إلى لندن عبر بومباي

تم إرسال المها من الكويت إلى لندن عبر بومباي، وبسبب الحرب العالمية الأولى كانت عملية النقل من الهند إلى أوروبا في غاية الصعوبة والخطورة. ونتيجة لذلك، وُضِع المها في حديقة الحيوان بمومباي حيث مات الذكر هناك.

وبعد مرور ثلاثة أعوام تقريبًا وفترة طويلة على انتهاء الحرب العالمية الأولى، تم تأمين الطريق إلى إنجلترا للمها الأنثى المتبقية بصحبة والتر صامويل ميلارد التابع لجمعية التاريخ الطبيعي بمبومباي. وفي سنة١٩٢٠ وصلت المها أخيرًا "في حالة ممتازة" ووضعها ميلارد في جمعية علوم الحيوان الملكية بحديقة ريجينت.

تفصيل من "ملف E-8 VII. ابن سعود"، IOR/R/15/2/37، ص. ٢١٠
تفصيل من "ملف E-8 VII. ابن سعود"، IOR/R/15/2/37، ص. ٢١٠

مها الملك في جمعية علوم الحيوان الملكية

وفقاً لملاحظة بعنوان "مها الملك"، تتمتع الأنثى التي طلت على قيد الحياة بـ "زوج من القرون الجميلة" و"لون جسدها أبيض ولون القدمين الأماميتين بالكامل والجزء السفلي من القدمين الخلفيتين بني وآخر جزئين بهما لونهما أبيض"، ووجه أبيض به علامات بنية اللون على الأنف وبين القرنين وعلى الخدين والرقبة بينما هناك شريط بني يمتد إلى أسفل الصدر".

تنص الملاحظة على أن "العرب يطلقون على المها اسم "الوضيحي" الذي يبدو مستوحًا من الكلمة العربية النجديةالوضيحي. ويُوصَف المها العربي بأنه "خجول للغاية ونادرًا ما تراه"،  تم اصطياد هذان المها وهما صغيران وتُربّيا في حديقة ابن سعود بالرياض.

جدير بالذكر أن تشارلز داوتي المؤلف الشهير الذي ألف كتاب الترحال في صحاري العرب لم يرى من قبل المها أثناء رحلاته، والسيد ويلفريد سكوين بلنت والسيدة آن بلنت هما أول الأوروبيين الذين رأوا المها العربي حقيقة في بيئته الطبيعية.

مها عربية. صورة إلتبيكس/ إيما نيومان سيجيف. كرياتيف كومونس٢.٠.
مها عربية. صورة إلتبيكس/ إيما نيومان سيجيف. كرياتيف كومونس٢.٠.

أول حيوان مها في لندن والأساطير البريطانية

مع أنه يزعم أن القبطان جون شيبرد قد أحضر مها عربي إلى لندن في سنة ١٨٥٧، قد يكون ذلك الانثى أول مها عربي يُنقل حيًا إلى لندن.

وفقًا لأسطورة شائعة في كل من الجزيرة العربية وأوروبا، قد يبدو للمها العربي قرن واحد فقط عند النظر إليه من الجانب، وبالتالي يُعرَف على أنه المصدر الأصلي لأسطورة وحيد القرن. وهي الحقيقة التي يبدو أنها ذات أهمية لأنها قد تعني أن المها "عبارة عن تجسيد حي لأحد رمزَي الدعم في الشعار الملكي الذي استخدمه الملك جيمس الأول".

تقديم الهدايا والدبلوماسية

كان وراء إرسال حيواني المها كهدية مغزًا آخر كوسيلة دبلوماسية؛ ولا تزال ممارسة التبرع بحيوانات غريبة أو أجنبية أو مهددة بالانقراض قائمة حتى الآن وذلك مثل: ما يُسمى بـ "دبلوماسية الباندا" بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين الخمسينيات والثمانينيات.

وتوضح قصة الطريق الصعب الذي تسلكه حيوانا المها أن هذه الوسيلة الدبلوماسية كانت شائعة منذ وقت طويل في الجزيرة العربية وفي جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية بين الحكام المحليين والقادة البريطانيين. ولقد كان من المفهوم أن تقديم الهدايا وخاصةً هذه الحيوانات النادرة والفريدة من نوعها هو محاولة لتوطيد العلاقات بين الحكام والدول.

مصادر أولّية