عرض عام
المقالات الأخرى في هذه السلسلة: الجزء الأول؛ الأجزاء اللاحقة (من الجزء الثالث إلى الخامس) قيد التحضير.
ملحوظة: توجد المزيد من المصطلحات الخاصة بالخرائط الواردة في السجلّات في قائمة المصطلحات.
أُنتجت العديد من الخرائط المتاحة على مكتبة قطر الرقمية قبل توافر تكنولوجيا المسح الحديثة، واعتمدت بدلًا من ذلك على أساليبٍ تقليدية. ويُعد المسح، أي تحديد المواقع على سطح الأرض، عمليةً معقّدة يزداد تعقيدها بازدياد دقة الخريطة.
نقطة البداية
تتمثل المهمة الأولى للمسّاح في اختيار نقطة أصل، وهي نقطة بداية إحداثياتها معروفة بدقة وتُؤخذ منها القياسات لتحديد جميع النقاط الأخرى. وقد توجد نقطةٌ مناسبة، كمرصد أو علامة موثوقة من مسح سابق، في مكانٍ قريب. وعلى المسّاح تحديد نقطة جديدة في حال غياب هكذا علامات. قديمًا كانت أغلب العلامات تتألف من عمودٍ خشبي، وتطورت مع مرور الوقت إلى أنبوب سقّالة معدني، ثم إلى كتلة خرسانية بها علامة مركزية، وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، تطورت العلامات إلى الأعمدة المألوفة التي لا نزال نراها اليوم. وعادةً ما تتموضع هذه العلامات على أرض مرتفعة توفر رؤية جيدة لكامل منطقة المسح.

وكانت إحداثيات نقطة الأصل، أي خط العرض وخط الطول، تُحدد من خلال رصد النجوم ذات المسارات المعروفة. واستخدم المسّاحون لتحديدها مِزْواة لقياس الزوايا الأفقية والرأسية، وهي أداة تتضمن منظارًا يُشار إلى ميله الأفقي والرأسي على دوائر قياس مُدرَّجة، ومِسواة للحفاظ على وضعها الأفقي. تُثبّت المِزْواة مباشرة فوق نقطة الأصل وتُسجّل قراءاتها.

المسح الاجتيازي
عادةً ما تُحدَّد طرق المسح وفقًا للاعتبارات العملية بدلًا من الرغبات الشخصية. وقد يفضل المستكشفون عدم إجراء مسح يستلزم الكثير من الوقت والمعدات ويستعيضون عنه بمسح منخفض المستوى وأقل دقة. والمسح الاجتيازي هو إحدى الطرق التي كانت تُستخدم لهذا الغرض، حيث يعتمد على تحديد موقع سلسلة من النقاط عن طريق قياس المسافات والاتجاهات المتتالية بدءًا من نقطة معروفة، قد تكون نقطة الأصل. واعتُبِرَ المسح الاجتيازي مناسبًا لرسم خرائط لمسارات البعثات الاستكشافية، ويُبين عامةً المعالم القريبة فقط. وتُحدد المسافات باستخدام عجلة قياس، أو ببساطة بالخَطْو، أو بــ"ساعات الإبل" في بعض الحالات.

أما الاتجاه فكان يحدَّد عادةً باستخدام بوصلة منشورية، وهي تشبه البوصلة المغناطيسية العادية، إلا أنها تتضمن شُعيرة تحديد الهدف (خيط رؤية)، وشُعيرة عينية لقراءة تدريجات البوصلة، ومنشورًا زجاجيًا داخليًا يهدف إلى تكبير التدريجات، مما يتيح الحصول على قراءات بدقة تصل إلى نصف درجة.

ويمكن تحسين المسح الاجتيازي باستخدام الإزاحات، وهي قياسات تُؤخذ عند زوايا قائمة من المسح الاجتيازي إلى النقاط الهامة القريبة. ومع تقدم المسح الاجتيازي، قد تؤدي الأخطاء التراكمية في المسافة والاتجاه إلى خطأ كبير لكن غير معروف عند النقطة النهائية. وبغاية "إغلاق" المسح الاجتيازي، يتحقق المسّاحون من إحداثيات نقطة النهاية إما بإنهاء المسح عند نقطة معروفة أو بتحديد موقع نقطة النهاية من خلال رصد النجوم. عندها يُوزّع خطأ الإغلاق، أي الفرق بين القيم المعروفة والقيم المُقاسة بالمسح الاجتيازي، بشكلٍ متناسب على طول المسح الاجتيازي بأكمله.

لوحة المسح المستوية
بينما يُعد المسح الاجتيازي مناسبًا للمعالم الخطية، فإنه غير مناسب لرسم خرائط للمناطق. أما لوحة المسح المستوية فهي جهاز سريع، وإن كان تقريبيًا، واعتُبرت ملائمة لهذا الغرض، حيث تستخدم العِضادة، وهي أداة لتحديد خطوط الرؤية وقياس زوايا المعالم البعيدة، التي تُثبّت على لوحة رسم محمولة على حامل ثلاثي القوائم.

وباستخدام لوحة المسح المستوية، تُرسم خطوط رؤية متقاطعة من نقطتي مسح ثابتتين ومرئيتين لبعضهما البعض. وتتم محاذاة لوحة الرسم باتجاه الشمال فوق نقطة المسح الأولى بواسطة بوصلة منشورية. وتُرسم خطوط على اللوحة باتجاه المعالم المُراد مسحها باستخدام العِضادة كشُعيرة رؤية. وبالمثل، تُحدد نقطة المسح الثانية، ويُرسم خطٌّ قاعديّ (انظر أدناه) باتجاهها. ثم تُحسب المسافة بين نقطتي المسح، وتُرسم النقطة الثانية على اللوحة بمسافةٍ تتوافق مع مقياس رسم الخريطة المطلوب.
وتُكرَّر العملية عند نقل لوحة المسح المستوية إلى نقطة المسح الثانية. عندها ستحتوي اللوحة على مجموعتين من الخطوط المتقاطعة، حيث تمثل التقاطعات مواقع المعالم المرصودة. وتُرسم التفاصيل الدقيقة بين النقاط المرسومة.

الخطوط القاعديّة
تتطلب عمليات المسح الكاملة والدقيقة، حسب متطلبات الحكومات لبرامج رسم الخرائط الوطنية، دقةً أكبر. واستُعملت المِزْواة لتحديد نقطة الأصل في عمليات المسح عالية الدقة هذه، وإن كان ذلك برصد أكثر دقة. وحُدِدَ التوجيه الجغرافي عن طريق رصد المِزْواة لنجم الجُدَيّ أو ألفا الدب الأصغر بدلًا من استخدام البوصلة المنشورية التي لم تكن كافية لتحديد الشمال بدقة.
وجرى اختيار خط قاعديّ، يبلغ طوله عادةً بضعة أميال ويمتد عبر تضاريس مسطحة، مما يوفر مسافةً معروفة يمكن من خلالها تحديد جميع المسافات الأخرى. وحقق المسّاحون ذلك قبل ظهور التكنولوجيا الإلكترونية عن طريق جمع سلسلة متتالية من أطوال شريط القياس، مع مراعاة المشكلات المحتملة الناشئة عن درجة الحرارة والشد والتعليق والطقس والميل والاختلافات في الجاذبية والارتفاع فوق مستوى سطح البحر بالإضافة إلى انحناء الأرض. وتمكّن المسّاحون من الحصول على دقة تصل إلى بضعة أجزاء في المليون من خلال تطبيق العديد من التعديلات المعقدة، وهو إنجاز لا بأس به نظرًا إلى استخدام شريط قياس!

التثليث
كان من الواضح أن قياس المسافات الطويلة أمرٌ صعب، لذا كان يُتجنَّب قدر الإمكان. وكان قياس الزوايا أسرع كما أن استخدام مِزْواة جيدة يسمح بتحقيق دقة عالية للغاية. وفي عام ١٥٣٣، اقترح صانع الخرائط الهولندي جيما فريزيوس تقنية التثليث لأول مرة. وتقوم هذه التقنية على تحديد مواقع شبكة من النقاط عن طريق ربطها في سلسلة من المثلثات وقياس زاويتين داخليتين على الأقل لكل مثلث. وعند قياس طول أحد أضلاع المثلث الأول (أي الخط القاعديّ)، يمكن حساب جميع الأطوال والزوايا المتبقية. وغالبًا ما كانت شبكة النقاط تُحدد على الأرض بعلامات مسح دائمة، عادةً على شكل أعمدة تثليث (أو نقاط تثليث).

وعلى غرار المسح الاجتيازي، قد تتراكم الأخطاء في التثليث مع امتداد شبكة النقاط، لذلك يُقاس خط قاعديّ ثانٍ في الطرف البعيد من الشبكة بغرض "التحقق". ثم تُقارن النتيجة بطوله المحسوب نظريًا بواسطة الحساب المثلثي، مع توزيع أخطاء الإغلاق بشكل متناسب.
وباستخدام كل هذه التقنيات يمكننا الآن تحديد الإحداثيات. ومع ذلك، قد يكون لنقطة واحدة عدة خطوط عرض وطول مختلفة، بل عدد غير منتهٍ منها. سيأتي الحديث عن ذلك في الجزء الثالث (قيد التحضير).


