اليابان والإسلام والوحدة الآسيوية: أصداء في الخليج

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

راقبت أجهزة الاستخبارات البريطانية بقلق شديد رحلات سلطان مسقط وعُمان السابق، السيد تيمور بن فيصل آل بوسعيد، إلى شرق آسيا. فما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك ولماذا كان البريطانيون يخشون قيام "نظام جديد" في آسيا؟

في ٢٥ مارس ١٩٣٥، استقلّ السلطان السابق لمسقط وعُمان، السيد تيمور بن فيصل آل بوسعيد، الباخرة الإيطالية "كونتي فيردي" العابرة للمحيطات في بومباي [مومباي]، متجهًا إلى اليابان. وكان طوال رحلته تحت المراقبة البريطانية، إذ كان موضوع عدة تقارير أعدّها مكتب الاستخبارات التابع للحكومة في الهند والفرع الخاص بشرطة مستوطنات المضائق في سنغافورة. وتخبرنا هذه التقارير أن تيمور أمضى شهرًا في شنغهاي قبل وصوله إلى اليابان، وكان مقيمًا في فندق "إمباسي هوتيل" مع رفيق يهودي يُدعى مُعلم صالح حاييم. وأثناء وجودهما هناك، التقيا مرارًا وتكرارًا، ودائمًا في "سرية تامة" (IOR/R/15/6/217، ص. ٦و) مع إبراهيم بن عمر السقاف، وهو، كما يُزعم، ممثل ياباني لدى المملكة العربية السعودية. ووفقًا للسجلات البريطانية، "لا يُعرف أي شيء عما حدث في هذه الاجتماعات" (IOR/R/15/6/217، ص. ٦و).

واعتقد المسؤولون البريطانيون أن "تجوال" السيد تيمور كان "غامضًا إلى حد ما" (IOR/R/15/6/217، ص. ٤و)، وكان لديهم مخاوف من أن لذلك "دلالات سياسية تُنذر بِشرٍّ" (IOR/L/PS/12/2988، ص. ١٣٥و). كما اعتقدوا أنه من الممكن أن تكون زيارة تيمور مرتبطة بـ"حرص اليابانيين المتزايد على جذب المعلِّمين المسلمين من الدول الإسلامية إلى اليابان" (IOR/R/15/6/217، ص. ٧و). ونتيجة لذلك، كانت تحركاته مُراقبة بانتباه شديد.

صورة فوتوغرافية للباخرة الإيطالية "كونتي فيردي" العابرة للمحيطات، التي استقلّها السيد تيمور بن فيصل بوسعيد للوصول إلى اليابان في ١٩٣٥
صورة فوتوغرافية للباخرة الإيطالية "كونتي فيردي" العابرة للمحيطات، التي استقلّها السيد تيمور بن فيصل بوسعيد للوصول إلى اليابان في ١٩٣٥

الغرب "الناشر للحضارة"

لم تكن هذه العلاقة "المتنامية" بين اليابان ومسلمي آسيا بالأمر الجديد، وهي علاقة تسببت في قلق بالغ للمسؤولين البريطانيين في ١٩٣٥. فمنذ تسعينيات القرن التاسع عشر، كان هناك تعاون فكريّ قائم بين الاثنين، يغذّيه هدفهما المشترك في التحرر من الهيمنة الغربية، والذي جرى التعبير عنه من خلال رؤى عابرة للحدود مثل الوحدة الإسلامية والوحدة الآسيوية.

وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر، بدأت بعض النُّخب اليابانية وغيرها من النُّخب غير الغربية، مع وجود بعض التردد، في قبول المفهوم الغربي لحضارة عالمية، تجسّدت وشُرِّعت من خلال التكنولوجيا والثروة الأوروبية. وينعكس هذا القبول في العديد من الإصلاحات الاجتماعية في تلك الفترة، والتي نُفّذت في كل من الدولة العثمانية واليابان. وبعد إصلاحات ميجي في ١٨٦٨، حدثت تغييرات هائلة في اليابان على مدى فترة زمنية قصيرة. وجاء ذلك بعد تبني الأفكار الغربية في الإنتاج والحكم، بما في ذلك إلغاء الإقطاع والتصنيع السريع وإنشاء حكومة مركزية.

خريطة تبين "نمو المناطق الخاضعة لأوروبا واليابان في آسيا منذ عام ١٨٠١"، من الأطلس التاريخي لشيبرد، صص. ١٧٠-١٧١. مكتبات جامعة تكساس، ملكية عامة
خريطة تبين "نمو المناطق الخاضعة لأوروبا واليابان في آسيا منذ عام ١٨٠١"، من الأطلس التاريخي لشيبرد، صص. ١٧٠-١٧١. مكتبات جامعة تكساس، ملكية عامة

ومع ذلك، كان هناك شعور متزايد بين هذه النخب بوجود معايير مزدوجة لدى الغرب. وأدى استخدام العنف الشديد على يد ما يسمى بالشعوب "المتحضرة" والتدافع لإقامة مستعمرات في أفريقيا وأماكن أخرى إلى تقويض أي شرعية ربما كان يتمتع بها الغرب وأفكاره. وعندما بُذلت محاولات لتبرير وترسيخ التسلسلات الهرمية العالمية والاختلافات في القوة باستخدام نظريات زائفة عن التفوق العرقي والداروينية الاجتماعية، بدأت النخب في أفريقيا وآسيا في البحث عن رؤى بديلة لنظام حضاري وعابر للحدود.

الوحدة الآسيوية: رد موحّد على الإمبريالية الغربية

ترجع جذور الوحدة الآسيوية إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، وقد ازدهرت في بداية القرن العشرين كردّ موحّد على الإمبريالية الغربية والتسلسلات الهرمية العِرقية. وفي حين كان التفوق التكنولوجي للغرب أمرًا واضحًا (حتى لو أظهرت وتيرة التحديث السريعة في اليابان أنه مجرد تفوق مؤقت)، فقد ادعى الوحدويون الآسيويون امتلاكهم لتراث أخلاقي وروحيّ يفوق بنظرهم تراث أوروبا والولايات المتحدة بأشواط. ولقد تأسس هذا التراث وتجلّى في الديانات الرئيسية الثلاث في القارة: البوذية والهندوسية والإسلام. وكان التركيز على الهوية الدينية المشتركة غالبًا ما يجمع بين الوحدويين الآسيويين والوحدويين الإسلاميين.

وفي الأيام المليئة بالحماس بعد انتصار اليابان على روسيا في ١٩٠٥، أصبحت اليابان منارة أمل ومثالًا لما يمكن تحقيقه بدون الحاجة إلى استعمار أو إشراف غربيين. وتوافد المثقفون والثوريون والمفكرون السياسيون من جميع أنحاء العالم المستعمَر إلى طوكيو من أجل التعلُّم والإلهام. ومع ذلك، وطوال هذه الفترة، نأت الحكومة اليابانية بنفسها رسميًا عن مثل هذه الحركات، وكانت حريصة على استرضاء القوى العظمى التي انضمت إليها مؤخرًا على طاولة أهم الاجتماعات الدولية. وتغيّر هذا الوضع مع عزلة اليابان الدولية في أعقاب حادثة منشوريا في ١٩٣١، وعندما أدرك قادتها مدى فائدة الوحدة الآسيوية في تحقيق طموحاتهم الإمبريالية الخاصة.

صورة فوتوغرافية لجنود يابانيين بالقرب من موكدِن، أكتوبر ١٩٣١. المصدر: المكتبة الوطنية الفرنسية، قسم المطبوعات والتصوير الفوتوغرافي، EI-13 (2885)
صورة فوتوغرافية لجنود يابانيين بالقرب من موكدِن، أكتوبر ١٩٣١. المصدر: المكتبة الوطنية الفرنسية، قسم المطبوعات والتصوير الفوتوغرافي، EI-13 (2885)

ومع تعرض الكثير من السكان المسلمين في العالم لشكل من أشكال الإخضاع البريطاني، عزّزت اليابان علاقاتها مع الوحدويين الإسلاميين والثوار المسلمين في كل مكان لدمجهم في حركة وحدة آسيوية قائمة على الدين، وتتصدرها اليابان. هذا هو السبب في أن السيد تيمور كان تحت المراقبة في ١٩٣٥. ولهذا السبب أيضًا، وبعد أربع سنوات، أبدى مكتب الاستخبارات التابع للحكومة في الهند اهتمامًا متجددًا بشخص ياباني حمل عدة أسماء وكان يُعتقد أنه كان يخطط لرحلة إلى المملكة العربية السعودية.

مخاوف بريطانية من "نظام جديد في آسيا"

تُشير مذكرة مؤرخة في ١٨ مايو ١٩٣٩، وُزّعَت على الوكالات السياسية البريطانية في الخليج وجدة، إلى رجل ياباني يُعرف بأسماء متعددة: "موتو" أو "كاوامورا" أو "تشوان تشونج ييما" (IOR/R/15/2/539، ص. ٣٢و). ووصفته السلطات البريطانية بأنه عميل ياباني، واعتقدَت أن الحكومة اليابانية أرسلته إلى الصين "لنشر بروباجاندا معادية للبريطانيين بذريعة دينية" (IOR/R/15/2/539، ص. ٣٢و) وأنَّ وجْهته التالية ستكون الجزيرة العربية. وصدرت تعليمات بالبحث عن مثل هؤلاء الأفراد والتعامل معهم بحذر. ولم يكن هذا فقط لأنه كان من المتوقع أن تقف اليابان إلى جانب ألمانيا في أي حرب مقبلة، ولكن، كما يُلاحَظ أيضًا بسبب "سياستها التوسعية [...] لخلق «نظام جديد في آسيا»" شكّل تهديدًا حقيقيًا للغاية لإمبراطورية بريطانيا في الهند.

مقتطف من رسالة صادرة عن الحكومة في الهند تحذّر من "السياسة التوسعية" لليابان. IOR/R/15/2/539، ص. ٣٧و
مقتطف من رسالة صادرة عن الحكومة في الهند تحذّر من "السياسة التوسعية" لليابان. IOR/R/15/2/539، ص. ٣٧و

لقد تسببت هزيمة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية في انخفاض شعبية حركة الوحدة الآسيوية. وبدأت القوى الإمبريالية الأوروبية، المرهَقة بعد سنوات من الحرب، في الانسحاب أمام الحركات القومية في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، رأت الكثيرُ من الشعوب المستعمَرة الشيوعيةَ على أنها رؤية جديدة عابرة للحدود تفهم الماضي والحاضر وتعطي الأمل بغض النظر عن العِرق أو العقيدة.

لا يوجد دليل على "أي نشاط تخريبي"

تلاشى الاهتمام البريطاني بالسيد تيمور بسرعة وتلاشت معه كذلك شكوك بريطانيا فيه. وكما أفاد مدير الفرع الخاص بشرطة مستوطنات المضائق في بداية ١٩٣٦، "لم يكن هناك شيء يثبت أنه [كان] متورطًا [في] أي نشاط تخريبي"، وكان يَعتقد أنه مخلص لبريطانيا (IOR/R/15/6/217، ص. ١٦و). وكان يُعتقد أن رحلاته إلى أماكن مثل الصين واليابان كانت من أجل "مشروع تجاري صغير"، وأنَّ رحلاته إلى اليابان كانت بسبب "فتاة جييشا يابانية وقعَت في حبّه [...] وكانت تحثّه على العودة إليها" (IOR/R/15/6/217، ص. ١٦و). وكانت هذه الفتاة على الأرجح كيوكو أوياما، التي تزوّجها تيمور في وقت لاحق من العام نفسه.