حنين بن إسحق وإزدهار اللغة العربية كلغة للعلم

بينك هالوم

بقلم

مسئول المخطوطات العلمية العربية
في القرن التاسع، قرر حنين بن إسحق أن يفسر المصطلحات اليونانية بدلاً من استخدامها كما هي في ترجماته لأعمال جالينيوس الطبية. وبذلك ساعد في تأسيس اللغة العربية كلغة عالمية للعلوم.

لا تزال الكتب اليونانية القديمة للطبيب الروماني جالينوس البرجامي (حوالي ١٢٩- ٢١٦ ميلادياً) متداولة اليوم أكثر من تلك الخاصة بأي مؤلف يوناني قديم آخر. تشيرمراجعه لما يزيد عن ٥٠٠ أطروحة تُمثل في مجموعها حوالي عُشر الآثار اليونانية القديمة التي لا تزال متداولة. ومما لا يقل أهمية عن هذا الإنجاز الرائع الذي لم يسبق له مثيل هو نجح حنين بن إسحق العالِم العربي المسيحي (٨٠٩- ٨٧٣ ميلادية) في ترجمة جميع كُتُب جالينوس التي توفرت له إلى العربية والسريانية.

ولإنجاز هذه المهمة بدل أقصى جهده لإجراء مقارنة نقدية بين نسخ المخطوطات، ضامنا الدقة والاتساق في ترجماته. حتى أنه سافر إلى الإمبراطورية البيزنطية بحثًا عن المخطوطات اليونانية غير المتوفرة في العالم الإسلامي.

صفحة العنوان لترجمة حنين بن إسحق لكتاب الصناعة الصغيرة لجالينوس. Arundel Or. 52، ص. ٢و
صفحة العنوان لترجمة حنين بن إسحق لكتاب الصناعة الصغيرة لجالينوس. Arundel Or. 52، ص. ٢و

بكل صراحة يا دكتور!

لم تنجح جهود حُنين الشاقة فقط في جلب صفوة الأعمال والمعرفة الطبية اليونانية القديمة إلى الشعوب العربية والسيريانية، ولكنه اتبع أيضًا خلال الترجمة أسلوبًا عمليًا جعل من اللغة العربية لغة عالمية عظيمة للعلوم. وقد تحقق ذلك من خلال تطبيقه لقراره الأساسي الذي اتخذه بترجمة جميع المصطلحات الأجنبية في كتابته بمنتهى الحرص والدقة وعدم الاكتفاء بكتابتها ونسخها بحروف عربية.

لا تزال اللغة الطبية الأوروبية تكتظ بالكلمات اليونانية التي تحير معانيها الحقيقية غير المتخصصين. وبفضل هذا القرار الصائب الذي اتخذه حنين، تمت ترجمة المصطلحات اليونانية إلى العربية بشكلٍ حَرفي بحيث يتسنى لجميع قُراء اللغة العربية فهمها بسهولة. ومثلما الحال مع أي طبيب بارع، قرر حنين عدم إغراق قرائه في التفاصيل العلمية، وإنما تبسيطها لهم بشكل سلس وصريح.

بداية ترجمة حنين بن إسحق لكتاب إيساغوجي المنسوب بالخطأ إلى جالينوس. Arundel Or. 10، ص. ٢٨ظ
بداية ترجمة حنين بن إسحق لكتاب إيساغوجي المنسوب بالخطأ إلى جالينوس. Arundel Or. 10، ص. ٢٨ظ

التبسيط وليس الاستخفاف

بوسعك أن تلمس آثار الترجمة التي تركها حنين بعقد مقارنة أمثلة للمصطلحات الطبية بالإنجليزية والعربية. ففي الإنجليزية، تُستخدم المصطلحات الطبية اليونانية التالية: arthritis (وجع المفاصل)، syndrome (اجتماع الأعراض والظواهر الطبية التي غالباً تحدث معًا)، والمصطلح غير الشهير xiphoid process (الغضروف الموجود في الطرف السفلي لعظم الصدر). يشيع استخدام المصطلحين الأولين ومعناهما مفهوم على نطاق واسع. ولكن كم من متحدثي اللغة الإنجليزية على دراية بأن arthritis هي كلمة يونانية لا تعني غير "وجع المفاصل"، أو أن كلمة syndrome باليونانية تعني فقط "الحدوث معًا" لأن أعراض المتلازمات تظهر مجتمعة؟

المصطلح xiphoid، مثله مثل الكثير من المصطلحات الطبية اليونانية، هو وصفي كما يتضح ويعني "مثل السيف"، حيث يصف مظهر هذا الجزء الغضروفي. في ترجمات حُنين العربية لا يتم استخدام المصطلحات اليونانية وإنما تتم ترجمتها إلى اللغة العربية الفصحى التي يمكن لأي شخص قراءتها. ولذلك فقد شرع لترجمة المصطلح arthritis كـ (وجع المفاصل) وsyndrome كـ (اجتماع الأعراض، وxiphoid process كـ (الغضروف الذي يشبه السيف).

لم يكن ذلك استخفافًا بالمصطلحات الطبية، وإنما كان يهدف لتبسيطها لأكبر عدد ممكن من الجمهور. لقد نجح حنين في تبسيط العلوم الطبية للقُراء العرب وفي نفس الوقت توَّج اللغة العربية كلغة علمية بالغة الأهمية.

بيانات النسخ لترجمة حنين بن إسحق لكتاب أيام البحران لجالينوس.  Or. 6670، ص. ١٤٢ظ
بيانات النسخ لترجمة حنين بن إسحق لكتاب أيام البحران لجالينوس. Or. 6670، ص. ١٤٢ظ

مصادر ثانوية

  • أحمد عتمان، المنجز العربي الإسلامي في الترجمة وحوار الثقافات من بغداد إلى طليطلة (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ٢٠١٣)
  • Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early ʿAbbāsid Society (2nd–4th/8th–10th centuries) (London: Routledge, 1998)
  • George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance (Cambridge, MA: The MIT Press, 2007)
  • Gotthard Strohmaier, ‘Ḥunayn b. Isḥāḳ al-ʿIbādī’, in The Encyclopaedia of Islam, 2nd edn, 12 Vols (Leiden and London: Brill, 1955–2005) III, pp. 578–81.