وفاة النقيب شكسبير

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج واللغة العربية
تُسلط رواية غير معروفة حكاها شاهد عيان، وحصل عليها الوكلاء البريطانيون بالبحرين من قبيل الصدفة، الضوء على وفاة وليام هنري إيرفين شكسبير.

يعتبر النقيب وليام هنري إيرفين شكسبير شخصية غامضة في تاريخ العلاقات الإنجليزية السعودية. ورغم أنه كان من أصغر الوكلاء السياسيين سناً ممن خدموا في الخليج، إلا أنه من أشهرهم نظراً لاستكشافاته وصوره الفوتوغرافية للصحراء العربية وكذلك نظراً لعلاقته الوثيقة بعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (ابن سعود)، ولا سيّما يوجد الكثير من الروايات والأساطير عن حياته ومماته في معركة جراب.

صورة للنقيب شكسبير، من متحف الحرب الامبراطوري -مِلْكٌ مُشَاع.
صورة للنقيب شكسبير، من متحف الحرب الامبراطوري -مِلْكٌ مُشَاع.

معاهدة تحالف مع ابن سعود

في ١٢ ديسمبر ١٩١٤، غادر شكسبير الكويت في مهمة لإقتراح معاهدة تحالف مع البريطانيين على ابن سعود. فوصل إلى معسكر ابن سعود في الخفسة بعد رحلة استغرقت تسعة عشر يوماً قطع خلالها ثلاثمائة وثلاثين ميلاً في الصحراء. في ٤ يناير ١٩١٥، بعث شكسبير برسالة للمقيم السياسي في الخليج الفارسي في بوشهر بيرسي زخاريا كوكس يورد فيها تفاصيل الوضع السياسي في نجد، وأرفقت الرسالة ترجمة تقريبية لاتفاق المعاهدة بينه وبين ابن سعود مؤكدًا على نجاح مهمته.

كان قد وطد شكسبير علاقة وثيقة مع ابن سعود في السابق نظراً لحبه للمغامرة والاستكشاف وكذلك لحاجته إلى إقامة علاقات وثيقة مع الحكام المحليين وجمع الاستخبارات وتوطيد النفوذ البريطاني. ونتيجة لذلك، قرر البقاء مع ابن سعود ومرافقته في حملته ضد قبيلة بني شمر التي كانت موالية لعدو ابن سعود وهو ابن رشيد (سعود بن صالح آل رشيد).

رواية خالد بن بلال عن معركة جراب

في صباح ٢٤ يناير، نشبت معركة في جراب بالقرب من الزلفي انتهت بموت شكسبير والكثير من المحاربين على الجانبين.

الرواية الرسمية عن موت شكسبير، كما ظهرت في"تقرير حول المهمة إلى نجد ١٩١٧- ١٩١٨" (IOR/R/15/1/747، ص.٢٥و)
الرواية الرسمية عن موت شكسبير، كما ظهرت في"تقرير حول المهمة إلى نجد ١٩١٧- ١٩١٨" (IOR/R/15/1/747، ص.٢٥و)

ادعى الكاتب والمفكر اللبناني العربي الأمريكي أمين الريحاني في وصفه لمعركة جراب بكتابه عن ابن سعود أن شكسبير "ركب في جيش ابن سعود" وأنه طبقاً لهاري سانت جون فيلبي "شارك في المعركة موجهاً فوهات بنادق الوهابية وقُتل في عهدتهم".

ولكن هناك قصة رواها شاهد عيان وهو أحد خدم شكسبير - جمعها البريطانيون من قبيل الصدفة - تعرض وجهة نظر مختلفة.

في ٢٠ مايو ١٩١٥، سار خالد بن بلال إلى الوكالة البريطانية بالبحرين طالباً المساعدة في العودة لموطنه في الزبير بالعراق، وكان طباخ شكسبير الخاص في مهمته للقاء ابن سعود وفر من الأسر بعد معركة جراب التي شهدها. وتولى تيرينس همفري كيز الوكيل البريطاني في البحرين تسجيل بيان خالد كأول شاهد عيان.

طبقاً لرواية خالد، طلب ابن سعود وابنه تركي من شكسبير أن ينتظرهم في القصيم أو الزلفي ولا يكمل المعركة. فرفض شكسبير - ويشير إليه خالد باسم "الصاحب" (وهو لقب بمعنى سيّد) - قائلاً إنه سيكون "عاراً" عليه إذا رجع.

وفي صبيحة اليوم التالي في تمام الساعة ٦ صباحاً رُصدت قوات ابن رشيد، وخلال ساعتين كان العدو يقترب بسرعة شديدة. حفرت قوات ابن سعود خنادق على مسافة حوالي خمسمائة ياردة خلف المعركة وحُمل جميع العتاد والخيم والأمتعة على ظهور الجمال التي بُرّكت في الخنادق مع خدم شكسبير ومنهم خالد بن بلال.

التقاط الصور الفوتوغرافية

اتجه شكسبير نحو المعركة على ظهر جمل. ثم ترجل "وراح إلى تلة ومعه كاميرته ليلتقط الصور". وقد وثق أمين الريحاني أيضاً أن شكسبير كان "حاملاً بين أمتعته آلة التصوير".أمر ابن سعود بشن هجوم عام. "ولكن العدو كان لديه خيول أفضل وعدد أكبر من الرجال - بحسب سرد خالد بن بلال - "وسرعان ما تشتت جيش ابن سعود مما تسبب في هزيمة كاملة".

وكانت هذه هي اللحظة التي اختفى فيها شكسبير عن نظر خالد بن بلال. "وهم يفرون، سلب العدو كل ما يمتلكونه. وقُتل الكثير من الرجال من الجانبين. وكلٌ كان يسعى لإنقاذه بكل ما أوتي من قوة". وبعد ساعتين وضعت الحرب أوزارها وألقت قوات إبن رشيد -قبيلة بني شمّر- القبض على شكسبير وأخذته أسيراً.

العثور على جثة شكسبير

قضى خالد بن بلال ليلتين في الأسر قبل أن يتمكن من الهرب. واستمع وهو مختبئ خلف شجرة لآسريه يتحدثون عن المعركة وعرف عن وفاة شكسبير. في البداية أصيب شكسبير بجراح في مرفقه الأيمن ثم قتل برصاصتين - واحدة في الرأس والثانية في الظهر.

عندما عاد بلال إلى ساحة القتال قال إنه "ظل يتفقد الجثث حتى تعرف على جثة النقيب شكسبير. وقد سُلب منه كل ممتلكاته وملابسه". ثم تابع: "وجدت علامات ثلاث رصاصات على جسده - واحدة في ذراعه الأيمن وواحدة في الجزء الخلفي من رأسه والثالثة في الجانب الأيمن من فخذه. رأيته بعد عشرين يوماً من وفاته".

يساعد هذا السرد لخالد بن بلال في تسليط المزيد من الضوء على أحداث معركة جراب ودور النقيب شكسبير فيها. فرغم وفاته في سن السابعة والثلاثين، إلا أن مهمته كانت ناجحة حيث وقّع ابن سعود المعاهدة الإنجليزية السعودية في ٢٦ ديسمبر ١٩١٥ محققًا ما كان يسعى إليه شكسبير.

مصادر أولّية

مصادر ثانوية

  • Harry St. John Philby, Saudi Arabia (London: Benn, 1955)
  • امين الريحاني، تاريخ نجد الحديث (بيروت: المطبعة العلمية، ١٩٢٨)