عرض عام
كان سليمان الباروني عضوًا في آخر برلمان عثماني، وحملته رحلته السياسية من المجتمعات الإباضية الأمازيغية في شمال أفريقيا إلى عُمان، أثناء حربه ضد الاستعمار الأوروبي وترويجه لاستقلال شعب شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ولأن الباروني كان ينتمي إلى أقلية داخل أقلية، فقد اتبع أسلوبًا إستراتيجيًا في تبديل ولاءاته. وعارض في البداية الحكم العثماني ثم انحاز إليه لاحقًا، ولذا قاوم الغزو الإيطالي لليبيا، ودافع عن الوحدة والاستقلال في كل أنحاء المنطقة. وعكَس هذا التحول تعقيدات مقاومة الاستعمار والسياسات الإقليمية. وتأرجح الباروني بين الهويات العثمانية والليبية والأمازيغية والإباضية، واستقر في النهاية في منصب مستشار ومؤتمن على الأسرار في سلطنة مسقط وعُمان. وعمل هناك لحساب كل من الإمام في الأراضي الداخلية الجبلية في الفترة من ١٩٢٤ إلى ١٩٣٢، والسلطان المدعوم من بريطانيا في الساحل في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين.

مرحلة التعليم المبكر والمسيرة السياسية
وُلد الباروني عام ١٨٧٢ في جادو، في سلسلة جبال نفوسة التي سكنتها بمجموعات أمازيغ تريبوليتانيا. وانحدر من أسرة بارزة تنتمي إلى المذهب الإباضي. وتعلّم أولًا على يد أبيه، عبد الله، ثم في تونس (الزيتونة) ومصر (الأزهر) ووادي مزاب في الجزائر الذي كان في القلب من جوهر التعاليم والثقافة الإباضية. ولدى عودته إلى تريبوليتانيا، اتهمته السلطات العثمانية ببث الفتنة وزُجّ به في السجن بعد سلسلة من المحاكمات، ثم أفرجت عنه وفرضت عليه الإقامة الجبرية في طرابلس قبل أن تمنحه العفو.
وحين عاودت الشكوك السلطات العثمانية في انخراط الباروني في أنشطة تحريضية، اتخذ من مصر ملاذًا له عام ١٩٠٦. وهناك، أسس جريدة "الأسد الإسلامي"، التي كانت ممنوعة في الولايات العثمانية. وساعدت التطورات السياسية الباروني في الفوز بمقعد في البرلمان العثماني، عندما أجبرت جمعية الاتحاد والترقي عبد الحميد الثاني على إعادة فرض الدستور عام ١٩٠٨. وفي هذا الإطار، أرسلت كل الولايات مندوبين إلى البرلمان العثماني في إسطنبول. ولأن الباروني كان ينحدر من عائلة بارزة، لم يكن ثمة ما يثير الدهشة في انتخابه لتمثيل جبل نفوسة، وكان عليه تعلّم اللغة التركية بسرعة للوفاء بالشرط الدستوري المرتبط بالمنصب.
وخلال الجلسة البرلمانية الأولى، أصبح على صلة وثيقة بجمعية الاتحاد والترقي، وشجّع تمركز عدد أكبر من القوات العثمانية في الولايات الليبية مع تقدم القوات الإيطالية. وكان الباروني في جادو عند هبوط الدفعة الأولى من القوات الإيطالية، فنظّم المقاومة الليبية، التي تولّى الأتراك تدريبها.

وتضمّنت معاهدة أوشي (أكتوبر ١٩١٢)، التي أنهت الحرب الإيطالية-العثمانية، بندًا ينص على اعتراف الحكومة العثمانية باستقلال الولايات الليبية. وفي ٨ نوفمبر ١٩١٢، أعلن الباروني ميلاد جمهورية يفرن، التي سُمّيت باسم عاصمتها الواقعة في جبال الأمازيغ، وامتدت أراضيها لتشمل المناطق المجاورة وغرب تريبوليتانيا. إلا أن عمر جمهورية يفرن كان قصيرًا؛ إذ احتلتها القوات الإيطالية في ٢٧ مارس ١٩١٣. ورفض الباروني قبول الاحتلال، فعبر الحدود إلى تونس، ثم إلى أوروبا، وانتهى به المطاف إلى إسطنبول، حيث عُيِّن عضوًا في مجلس الأعيان في البرلمان العثماني.
نهاية الحرب العالمية الأولى
بينما كان الباروني يحارب القوات الإيطالية دفاعًا عن تريبوليتانيا، تعاون بشكل وثيق مع أنور بك (المعروف لاحقًا باسم أنور باشا لقب عثماني كان يُستخدم عقب أسماء بعض حكام الأقاليم وكبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين. )، الذي كان عضوًا بارزًا في جمعية الاتحاد والترقي وقائد القوات العثمانية. وفي أغسطس ١٩١٣، تأسست المنظمة الخاصة في تركيا (تشكيلات مخصوصة)، للعمليات السرية حين كان أنور باشا لقب عثماني كان يُستخدم عقب أسماء بعض حكام الأقاليم وكبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين. وزير الحرب العثماني. ويؤكد المؤرخ فيدريكو كريستي أن الباروني كان على الأرجح عضوًا في المنظمة. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، أُرسل الباروني إلى بَرقة لإقناع الشيخ الكبير أحمد الشريف السنوسي بدعم خطط القيادة العليا العثمانية، التي تضمنت دعم السنوسي لقوات يقودها ضباط ألمان كانوا يستعدون لشن هجوم على قناة السويس. وتمكن الباروني من الوصول إلى معسكر الشريف، لكنه سرعان ما سُجن وأُطلق سراحه لاحقًا.
وفي السنوات اللاحقة، وفي جوٍّ من التحالفات المتغيّرة في زمن الحرب، سعى الباروني جاهدًا إلى تأمين قدر أكبر من الحقوق للأمازيغ والليبيين، وتفاوض مع كل من السلطات الإيطالية والعثمانية. ومع نهاية الحرب وانهيار الدولة العثمانية، حوّل الباروني تركيزه لاستكشاف الفرص التي تتيحها تسوية ما بعد الحرب، وشارك في مؤتمر السلام في لوزان. وفي نوفمبر، راسل الباروني السلطان سعيد بن تيمور، طالبًا منه المساعدة في السفر إلى مسقط، وبحلول شهر ديسمبر، أعلمه خطيًا أن خياراته أصبحت محدودة بسبب العداء الفرنسي والإيطالي والبريطاني نحوه. وبدا المسؤولون البريطانيون تحديدًا ضائقين من أسلوبه الرخو في التعامل مع مسألة الجنسيات، ولفتوا بارتياب إلى أنه "على ما يبدو، يدّعي حمل ثلاث جنسيات: التركية والفرنسية والإيطالية" (IOR/R/15/6/449، ص. ٢و).

استبقت الحكومة في الهند على شكوكها، فعملت على مراسلة سعيد بن تيمور أيضًا عام ١٩٢٣، لتحثه على عدم السماح للباروني بدخول عُمان. وتصفه البرقية بأنه "شخص يُنصح سمو سلطان مسقط بعدم السماح له بدخول بلاده" (IOR/R/15/6/449، ص. ١٠و). ومع ذلك، تمكّن الباروني من دخول مسقط على متن سفينة حج قادمة من جدة عام ١٩٢٤.
الباروني في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى
عقب الحرب العالمية الأولى، أمضى الباروني بعض الوقت في الحجاز مع الحسين بن علي، شريف مكة. وفي عام ١٩٢٤، زار الباروني فيصل بن الحسين بن علي، الذي كانت بريطانيا قد توّجته مؤخرًا ملكًا للمملكة الهاشمية في العراق تحت اسم فيصل الأول.
وفي عام ١٩٣٨، راسل سعيد بن تيمور الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية في مسقط، طالبًا منه تسهيل إصدار تأشيرة دخول إلى السلطنة للباروني وابنه في العراق. وعندما دخل الباروني سلطنة عُمان، وافق على شغل منصب إشرافي في إدارة السلطان. وظل المسؤولون البريطانيون يشككون في أن السلطان أراد وجود الباروني "كجزء من مشروع طموح" يهدف إلى طرد الإمام واستعادة السيطرة على مسقط بأسرها (IOR/R/15/6/449، ص. ١٢٣و).

المراسلات في زمن الحرب والإرث المستمر
استمرت السلطات البريطانية في مراقبة الباروني، ومن سبتمبر ١٩٣٩ إلى أبريل ١٩٤٠، اعترضت مراسلاته مع أعضاء آخرين من أبناء تريبوليتانيا في الشتات. وطمحت هذه المجموعة من المنفيين إلى تحرير طرابلس من الحكم الاستعماري الإيطالي، وتضمن ذلك دعم إدريس السنوسي، الذي سيصبح لاحقًا الملك الأول في ليبيا عند استقلالها عام ١٩٥١.
توفي سليمان الباروني في مايو ١٩٤٠ بينما كان في طريقه إلى مومباي مع سعيد بن تيمور.




