سيمون كوربيو: عالمة آثار وفنانة وجاسوسة مُحتمَلة

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

كانت سيمون كوربيو (١٩٠٠-١٩٧٤) عالمة آثار بلجيكية أعادت تقديم نفسها كرسامة صور شخصية ويُحتمل أنها تورَّطت أيضًا في أعمال تجسس في الشرق الأوسط.

الاهتمامات المتعلقة بالآثار

لا نعرف إلا القليل جدًا عن حياة كوربيو قبل عام ١٩٣٥، وهو العام الذي نشرَت فيه رسالة في المجلة الأنثروبولوجية "مان". وبحسب السجلات المتاحة للعامة، تُعدُّ هذه الرسالة نقطة انطلاق مسيرتها المهنية. وفي تلك الرسالة، عارضَت كوربيو تفسير الرائد دوجلاس هاميلتون جوردون للاكتشافات في الموقع الأثري دهيري سار (في باكستان الحالية) باعتبارها محلية وفريدة من نوعها، وقالت بوجود صلاتٍ نمطية مع موادٍ من بلاد الرافدين وأوكرانيا. وخلُصَت إلى أن "موقع ساري دهيري قد يكون ذا أهمية خاصة لحضارة وادي السند، لأن التراكمات الطبقية تبدو أنها تمتد من فجر التاريخ إلى عصرنا الحالي" (كوربيو، تماثيل صغيرة هندية وبابلية، ص. ١٤٤).

مثال على تمثال طيني قديم من ساري دهيري (إلى اليسار). متاحف هارفارد للفنون/متحف آرثر م. ساكلر، هدية من الدكتور بنجامين رولاند الابن، دفعة ١٩٢٨، 1937.25.3
مثال على تمثال طيني قديم من ساري دهيري (إلى اليسار). متاحف هارفارد للفنون/متحف آرثر م. ساكلر، هدية من الدكتور بنجامين رولاند الابن، دفعة ١٩٢٨، 1937.25.3

وأدت هذه الادعاءات إلى تنظيم بعثتين استكشافيتين في عامي ١٩٣٦ و١٩٣٨، حيث أسفرت البعثة الأولى عن منشورات تعزّز نظريتها حول الصلات بين الحضارة الهندية وحضارة بلاد الرافدين. لكن البعثة الثانية انتهت بخيبة أمل، فعلى الرغم من حصول كوربيو على رسائل دعم من الحكومة البلجيكية والمدير العام لدائرة الآثار في الهند، لم تنجح في تنفيذ عمليات التنقيب عن الآثار. ويعود ذلك جزئيًا إلى المساحات الشاسعة التي أرادت التنقيب فيها، مع الافتقار إلى الموارد الكافية لذلك، وقد يكون للفشل صلة أيضًا باتهامات بالتجسس. فقد صدر عن الوكالة إما (١) مركز تجاري تابع لشركة الهند الشرقية؛ أو (٢) مكتب تابع لشركة الهند الشرقية ولاحقًا للراج البريطاني. السياسية في ملاكند في ذلك الوقت أن كوربيو كانت "تميل إلى زيارة المراكز الحدودية"، ونقلَت الوكالة إما (١) مركز تجاري تابع لشركة الهند الشرقية؛ أو (٢) مكتب تابع لشركة الهند الشرقية ولاحقًا للراج البريطاني. ادعاءات بأنها كانت "تتلقى أموالًا مقابل أعمال استخباراتية" (شاهين وخان، ص. ١٧٢). وعلى الرغم من عدم اللجوء إلى أي محكمة للنظر في هذه الادعاءات، أُخذَت على محمل الجد لدرجة أن المسؤولين ناقشوا ما إذا كان يجب إحالة القضية إلى قسم التحقيقات الجنائية في الحكومة في الهند. وقد تكون بعثة كوربيو الأثرية، التي كانت بالأصل تعاني من صعوبات، قد انهارت نتيجة لهذه الشكوك.

صورتان لمداليّتين دائريّتين ناقشتهما كوربيو في مقالتها المنشورة في مجلة "مان". على اليسار: كما وردت في "المراجع السنوية للآثار الهندية"، ص. ١٤٧ (رُقمنت ضمن مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر)؛ على اليمين: كما وردت في مينس، ص. ٤٣١ (ملكية عامّة)
صورتان لمداليّتين دائريّتين ناقشتهما كوربيو في مقالتها المنشورة في مجلة "مان". على اليسار: كما وردت في "المراجع السنوية للآثار الهندية"، ص. ١٤٧ (رُقمنت ضمن مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر)؛ على اليمين: كما وردت في مينس، ص. ٤٣١ (ملكية عامّة)

المواجهة في بلاد فارس

تحتوي سجلات مكتب الهند إدارة الحكومة البريطانية التي كانت الحكومة في الهند ترفع إليها تقاريرها بين عامي ١٨٥٨ و١٩٤٧، حيث خلِفت مجلس إدارة شركة الهند الشرقية. على آثار لتحركات كوربيو اللاحقة. فقد ظهرَت في أبريل ١٩٤٤ في يوميات القنصلية في الأهواز، ووُصفت ليس كعالمة آثار بل بأنها "رسامة رسوم مُصغَّرة من بلجيكيا" (IOR/L/PS/12/3533، ص. ١٨٥و). وأثناء سفرها إلى تستر في محافظة خوزستان، تعرَّض فريقها لهجوم من "عصابة من العرب المسلحين" ونُهبَت ممتلكاتها. وقد نجَت هي بنفسها بدون أي أذى، رغم إصابة آخرين في فريقها.

مقتطف من يوميات قنصلية يبلّغ عن الهجوم على كوربيو وفريقها. IOR/L/PS/12/3533، ص. ١٨٥و
مقتطف من يوميات قنصلية يبلّغ عن الهجوم على كوربيو وفريقها. IOR/L/PS/12/3533، ص. ١٨٥و

تجديد الذات في البحرين

عاد اسم كوربيو إلى الواجهة مرة أخرى في عام ١٩٤٥، ففي ملف بعنوان "19/9 الآنسة كوربيو"، كتب إيرنست فينسينت باكر من شركة امتيازات النفط المحدودة في البحرين:

تواصل القنصل العام البريطاني في البصرة مع مديرنا نيابةً عن آنسة تدعى كوربيو. وترغب هذه السيدة في زيارة البحرين لكسب المال من خلال رسم لوحات لأشخاص. لقد قضَت عدة سنوات في الهند، وزارت حقول النفط الفارسية والبصرة، ويبدو أنها تجمع الأموال للعودة إلى بلادها. وتعتقد أن شركة نفط البحرين (بابكو) توفر مجالًا مناسبًا لمواهبها. ويضمن القنصل العام في البصرة أنها ليست شخصًا غير مرغوب فيه. ويضيف مديرنا أنها تبلغ حوالي الأربعين سنة. ويبدو أن القنصل العام يعتقد أن شخصًا ما في المنامة أو من بابكو قد يكون مستعدًا لاستضافتها (IOR/R/15/2/596، ص. ٢و).

ويشير باكر إلى أنه "قد يُساء فهمي إذا عرضتُ أن أستضيفها مؤقتًا بنفسي". وتحتوي السجلات بعد ذلك على برقيات من الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية في البحرين إلى القنصل العام في البصرة يطلب فيها "تأكيدًا أن الآنسة كوربيو ليست شخصًا غير مرغوب فيه وأنها تستحق المساعدة" (IOR/R/15/2/596، ص. ٤و). وكان ردُّ القنصل العام واضحًا: "السيدة المعنية ليست، وأكرر، ليست شخصًا غير مرغوب فيه. إنها فنانة جيدة وتستحق المساعدة" (IOR/R/15/2/596، ص. ٧و).

مقتطف من طلب باكر لسكن مؤقت في البحرين لكوربيو. IOR/R/15/2/596، ص. ٢و
مقتطف من طلب باكر لسكن مؤقت في البحرين لكوربيو. IOR/R/15/2/596، ص. ٢و

وتظهَر مواهب كوربيو الفنية في لوحة للطبيبة النفسية الدكتورة إيزابيل إمسلي (الليدي هوتّون)، التي رسمَتها في الهند عام ١٩٤٢ وهي محفوظة الآن في المعارض الوطنية في اسكتلندا. كما أعلنت كوربيو عن خدماتها كرسامة للصور المصغَّرة في جريدة "سيفيل آند ميليتاري جازيت" (لاهور) في ١٩٤١ و١٩٤٣، مشيرةً إلى تخصُّصها في رسم الصور المصغَّرة للأطفال. وهناك عيّنة نادرة من هذه المُصغَّرات (بيعت في دار جوكس-بيلايش للمزادات) تحمِل توقيع كوربيو ومؤرَّخة عام ١٩٥٣.

إعلانان قصيران يروّجان لخدمات الرسم التي تقدمها كوربيو. صورة من أرشيف الصحف البريطانية. © أصحاب الحقوق الخلفاء غير معروفين. أُنشأت الصورتان بإذن من مجلس المكتبة البريطانية
إعلانان قصيران يروّجان لخدمات الرسم التي تقدمها كوربيو. صورة من أرشيف الصحف البريطانية. © أصحاب الحقوق الخلفاء غير معروفين. أُنشأت الصورتان بإذن من مجلس المكتبة البريطانية

مسألة التجسس

على الرغم من أنه لم يثبت تورط كوربيو في التجسس بشكل قاطع، لا يمكن استبعاد احتمال ضلوعها فيه. لقد شكّل علماء الآثار عناصر قيِّمة بالنسبة إلى حكوماتهم، وخاصة خلال فترات الحرب، لأنهم كانوا على دراية بالعادات المحلية والجغرافيا واللغات، وغالبًا ما كان عملهم يتضمن رسم خرائط التضاريس وجمع المعلومات الاستخباراتية. فعلى سبيل المثال، خلال الحرب العالمية الأولى، جُنِّد علماء آثار بريطانيون مثل ت. إ. لورنس، وجيرترود بيل، وليونارد وولي للعمل في مكتب الاستخبارات العسكرية البريطاني (الذي سُمّيَ لاحقًا "المكتب العربي") في القاهرة.

ولا توجد وثيقة تنص بشكل قاطع على أن كوربيو كانت عميلة استخباراتية. ومع ذلك، عند النظر إلى الأدلة كلها يتشكل لدينا نمط واضح. فقد ظهرت مرارًا وتكرارًا في مناطق استراتيجية مهمة، وجذبَت ادعاءات باستلام تمويل سري، واستفادت من دعم قنصلي غير عادي، وعملَت على الوصول إلى شبكات المغتربين والدبلوماسيين. وعند النظر إلى كل عامل من هذه العوامل بشكل منفصل، قد يُعتبر مجرد صدفة، ولكن عند ربط كل هذه العوامل ببعضها، تُصبح فرضية التجسس معقولة على الأقل.

كولاج إبداعي يتضمن موادًا تتعلق بحياة كوربيو. أعده فريق مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر، ٢٠٢٦
كولاج إبداعي يتضمن موادًا تتعلق بحياة كوربيو. أعده فريق مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر، ٢٠٢٦

واليوم، تحتل سيمون كوربيو مكانة هامشية في كلٍ من تاريخ علم الآثار وتاريخ الخليج. وتُقدِّم قصتها رؤى قيِّمة حول الحدود الضبابية بين المشاريع الثقافية والمؤامرات السياسية في الشرق الأوسط في فترة ما بين الحربين العالميتين. وسواء أكانت عالمة آثار خذلها سوء الحظ، أو فنانة تبحث عن رعاة، أو عميلة سرية، أو مزيجًا من الثلاثة، فإن حياتها تجسِّد التقاطع بين المعرفة والشك والسلطة في سنوات أُفول الإمبراطورية البريطانية.