التراث العلمي العربي

بقلم

أستاذ مساعد تاريخ، جامعة ديبوو
طوال ثمانمائة سنة، تفوقت العلوم العربية على مثيلتها في غرب آسيا وأوروبا، ولقد تمخضت عنها نظريات وحقول معرفية جديدة أرست دعائم الثورة العلمية واستمرت بعدها في الازدهار.

نتيجة للاستعمارية والهيمنة العالمية لغرب أوروبا والولايات المتحدة، لا يغفل الدارسون من جميع أنحاء العالم عن مؤسسي العلم الحديث أمثال أبقراط وأفلاطون وأقليدس وأرسطو وأرشميدس وجالينوس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة والعلماء والرياضيين والأطباء اليونانيين القدامى. لا شك من تأثير هؤلاء العلماء، ولكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن جميع أعمالهم قد تُرجمت إلى اللغة العربية خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.

لقد بلغ التراث العلمي العربي من التطور ما أحدث به تغييرًا جذريًا في التراث اليوناني، مسفرًاعن نظرياتٍ وحقولٍ معرفيةٍ ما كانت لتخطر ببال المؤلفين القدامى. فلم يكن ذلك التراث الجديد محض إحياءٍ للتراث اليوناني، بل إن الفضل يعود إليه في التمهيد لبعض تطورات العلم الحديث.

تطور العلم

طالما يقال للدارسين إن تاريخ العلم قد تشكل عن طريق إضافة طبقات جديدة من الوقائع وتصويب الأخطاء السابقة بناءً على ملاحظات جديدة تعتمد غالبًا على التقنيات والآلات الجديدة مثل المقراب والمجهر. بحيث نتخيل العلم وكأنه قطار يتقدم في مسارٍ منفرد تجاه التنوير، لا تعرقله إلا العوامل الخارجية، . فيكتسب زخمًا تحت اليونانيين ليحشد المزيد من المعرفة، ثم يتباطأ نتيجة الغزو والهزائم حتى يتوقف تمامًا . بعد مرور فترة من الزمن، يظهر العرب على الساحة فليقودوه قُدمًا لعدة قرونٍ مقبلة، ثم يتوقف القطار مرة أخرى – حسب الرواية السائدة - جراء الاضطهاد الديني. وأخيرًا يأتى علماء أوروبا اللاتينية فيصلون به إلى وجهته المنشودة ، أيْ العلم الحديث.

ينطوي الوصف السابق على  مغالطات جسيمة. فكما يشير مؤرخو العلوم منذ عقود، قلما تتطور النظريات العلمية بشكلٍ سلس أو مستقيم، فقد تصل أحيانًا إلى دربٍ مسدود أو تتفرع في مساراتٍ لم يكن ليقصدها أصحاب النظريات المعنية أنفسهم. أما أسئلة العلم ومساراته  فتشكّلها دائمًا (إما بصورة إيجابية أو سلبية) الظروف المحلية والاجتماعية والسياسية وحتى الدينية.

نظرياتٌ جديدة، علومٌ جديدة

مقتبس من ورقة من مقالة في الجبر لعمر الخيامي. IO Islamic 1270, ff 48r-56r. ص. ٥٣ظ
مقتبس من ورقة من مقالة في الجبر لعمر الخيامي. IO Islamic 1270, ff 48r-56r. ص. ٥٣ظ

لا شك في أن التراث العلمي العربي قد تأثر بمثل هذه العوامل ، مما أفضى في كثير من الأحيان إلى إنتاجاتٍ معرفية ثرية لا مقابل لها في الأعمال اليونانية. ويعد ظهور الجبر كحقلٍ معرفيٍ جديد بفضل الخوارزمي (٧٨٠-٨٥٠ م) مثالًا على ذلك. عندما أهدى الخوارزمي  نصه التأسيسي في علم الجبر إلى الخليفة العباسي عبد الله المأمون (الذي حكم بين ٨١٣-٨٣٣م)، كان هدفه أن يمثل هذا النص دراسةً للقواعد والعمليات التي تستند إليها المعادلات الخطية والتربيعية. حيث كان الخوارزمي يؤمن أنه إذا فهم الأمناء والإداريون والفقهاء هذه القواعد فإنهم لن يجدوا صعوبة لهم في حلول المشاكل الحقيقية المعقدة المرتبطة بالمواريث والوصايا ومسح الأراضي وغيرها. فكان أن أسفر هذا النص عن تراثٍ طويل من دراسة مختلف المعادلات (مثلًا الدالة التكعيبية) وحتى العلاقات الهندسية. وعلى الرغم من أن بعض المؤلفين اللاحقين طبّقوا الأساليب الجبرية على الأعمال اليونانية القديمة، فإن علم الجبر نفسه لا يظهر في تلك الأعمال.

من جهةٍ أخرى، أثارت خصائص المجتمعات الإسلامية قضايا جديدة لميادين البحث القائمة. على سبيل المثال، حفز وجوب التوجه للقبلة عند أداء الصلاة علماء الفلك على تطبيق وسائل بطليموس في بادئ الأمر والوسائل المستحدثة في حساب المثلثات (لاحقًا) بحثًا عن وسيلة أكثر دقة لتحديد اتجاه القبلة. وعلى نحوٍ مماثل، أبرزت إشكالية تحديد مواقيت الصلوات الخمس بصورة دقيقة (أو تقريبية) تحديات جديدة لعلماء الفلك، سواء من الناحية النظرية المتعلقة بجداول الصلاة، أو من الناحية التطبيقية المتعلقة باختراع أو تعديل أجهزة فلكية مثل الأسطرلاب.

ورقة من أطروحة أحمد بن محمد الفرغاني عن الأسطرلاب المسطح. Or 5479, ff 37v-85r، ص. ٧١ظ
ورقة من أطروحة أحمد بن محمد الفرغاني عن الأسطرلاب المسطح. Or 5479, ff 37v-85r، ص. ٧١ظ

ويشهد على مهارة أولئك الفلكيين أنهم تمكنوا بحلول منتصف القرن الرابع عشر من إنتاج جداول شاملة لحساب مواقيت الصلاة في أي خط عرض على مدار السنة، منها ما يزيد عن نصف مليون مدخلة في حالة نجم الدين المصري (حوالي ١٣٠٠-١٣٥٠م). وبحلول القرن الثالث عشر كان يجري تعيين علماء الفلك رسميًا كموقّتين للجوامع، ومن أبرزهم ابن الشاطر (حوالي ١٣٠٥- حوالي ١٣٧٥م) الذي عمل موقتًا للجامع الأموي في دمشق.

بعد ابن الشاطر بمئتي سنة، حضر موَّقت آخر للجامع الأموي اسمه علي بن ناصر الدين الطرابلسي جلسات للتدريس علم الحساب، حسبما تبين شهادات القراءة هذه. Or. 3129، ص. ٩٩ظ
بعد ابن الشاطر بمئتي سنة، حضر موَّقت آخر للجامع الأموي اسمه علي بن ناصر الدين الطرابلسي جلسات للتدريس علم الحساب، حسبما تبين شهادات القراءة هذه. Or. 3129، ص. ٩٩ظ

التمييز بين علم التنجيم وعلم الهيئة

تسببت المعارضة الدينية أحيانًا في ظهور مجالات ومناهج بحثية جديدة ، ولعل المثال الأشهر هو فصل علم التنجيم عن علم الهيئة الجديد. فقد أفضت المعارضة المتواصلة من بعض الفقهاء والفلاسفة وعلماء الطبيعة إلى انشقاق العديد من علماء الفلك عن التراث اليوناني بإنكارهم إمكانية التكهن بمصائر الأشخاص بواسطة الأبراج. وبذلك، أرسى أولئك الفلكيون قواعد علم الهيئة الجديد، وهو العلم الذي يُعنى بالتكوينات الرياضية والطبيعية للأجرام السماويةكغرضٍ في حد ذاته. أدى هذا بدوره إلى ظهور تراثٍ علمي ثري،  تعرض فيه نظام بطليموس الفلكي للنقد وإعادة التشكيل، بينما خضعت علاقته بالفيزياء الأرسطيَّة للتدقيق والتفنيد.

يستند كتاب التذكرة في الهيئة بقلم نصير الدين الطوسي (توفي ١٢٧٤) إلى النظام الفلكي الذي وضعه بطليموس، إلا أنه يقوم أيضًا بانتقاده وتعديله. Or. 11209 ، ص. ٣٢ظ
يستند كتاب التذكرة في الهيئة بقلم نصير الدين الطوسي (توفي ١٢٧٤) إلى النظام الفلكي الذي وضعه بطليموس، إلا أنه يقوم أيضًا بانتقاده وتعديله. Or. 11209 ، ص. ٣٢ظ

وقد حدثت العديد من التطورات الأخرى غير المسبوقة في العلوم العربية ضمن فروعٍ معرفية متنوعة مثل المنطق والميكانيكا والطب. حتى أن بعض هذه العلوم المستحدثة – كالجبر والفلك والفلسفة والمنطق – كانت تُدرَّس في المدارس الإسلامية.

المدارس والعلوم

ثمة اعتقاد سائد بأن المدارس (التي كانت بمثابة الجامعات آنذاك) بطبيعتها استبعدت العلوم المنطقية من مناهجها وأن ذلك ما أسفر عن أفول "العصر الذهبي" الوجيز للعلوم في العالم الإسلامي. إلا أن هذه الادعائات أبعد ما تكون عن الحقيقة. فقد تضمنت المكتبات التابعة للجوامع والمدارس نصوصًا عديدة حول العلوم المنطقية. وكان الفقهاء، إلى جانب انخراطهم في العلوم الدينية التقليدية، على اطلاعٍ على أعمال المنطق والفلسفة والفلك وحتى الطب. ولم يكن غريبًا أن تحتويالنصوص الدينية،  في أصول الفقه أو علم الكلام مثلًا، على أقسامٍ في المنطق أو علم الفلك. وقد دُرِّست هذه النصوص في المدارس وناقشها الأساتذة والطلاب وكتبوا لها شروحًا تشمل الأقسام الخاصة بالعلوم المنطقية. علاوة على ذلك، لم تكن المدارس المكان الوحيد لطلب العلم، فلفترة طويلة بعد ظهورها، ظلت أبلطة الحكام وحلقات العلم الخاصة في بيوت الضباط والإداريين والعلماء ذائعي الصيت مواقع هامة لطلب العلم وتلقيه.

مصير العلوم العربية

عادة ما تشير النقاشات حول تاريخ العلوم في المجتمعات الإسلامية إلى "انحسار" الأنشطة بعد ١٢٠٠م (أو أحيانًا بعد ١٥٠٠م). إلا أن هذا لا يعتمد على أي دراسة للنصوص الموجودة، بل يُفترض ذلك بأثرٍ رجعي نظرًا لأن كوبرنيكوس (أو نيوتن) لم يأتيا من هذا الجزء من العالم. وفي الواقع يمكن لنا أن نقتفي فرعين متمايزين للتراث العلمي العربي في الحقبة اللاحقة.

يتمثل الفرع الأول في العلوم والنظريات الجديدة التي ظهرت بين القرنين الثامن والثالث عشر والتي استمر مؤلفو العالم الإسلامي في تطويرها حتى القرن التاسع عشر. اتسعت دائرة النقاش العلمي في هذه الفترة لتشمل اللغتين التركية والفارسية إلى جانب العربية. ويقدم كل ما أُنجز من أبحاث  حتى عصرنا هذا في مجالات المنطق والفلسفة والفلك والطب أدلة وفيرة ضد الادعاء المعتاد بـ"موت العلوم" في المجتمعات الإسلامية.

أشكال من ترجمة أطروحة مانالاوس السكندري عن الأشكال الكرية. Or 13127، ص. ٥٣ظ
أشكال من ترجمة أطروحة مانالاوس السكندري عن الأشكال الكرية. Or 13127، ص. ٥٣ظ

أما الفرع الثاني فيتمثل في تبني النهضة الأوروبيةللعديد من  التطورات التي نشأت في التراث العلمي العربي ما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر. حيث استمر علماء أوروبا اللاتينية في اكتساب النصوص والمعرفة من الشرق (والعكس بالعكس) خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. حتى أن بعض الأعمال الأوروبية المحورية، مثل كتاب كوبرنيكوس حول دوران الأجرام السماوية، تعد خلفًا مباشرًا للتراث العلمي العربي. هذا لا يعني أن المؤلفين العرب فكروا جديًا في نظام فلكي مركزه الشمس، إلا أن تشكيك كوبرنيكوس في الأساس الأرسطي لنظامٍ فلكي مركزه الأرض، وبحثه عن أساسٍ تجريبي لتحديد الترتيب الطبيعي للكواكب، إلى جانب استخدامه نظريات رياضية جديدة لعلاج التناقضات في النظام الفلكي البطليمي ، هي كلها مناهج مستقاة من التراث الفلكي العربي ولا يوجد لها مقابل في التراث اليوناني أو اللاتيني. وفوق ذلك يشير انفصال علم الفلك عن علم التنجيم لدى كوبرنيكوس وتركيزه على نظام الكواكب فحسب إلى أنه يدين للمجال المعرفي العربي الجديد، أيْ علم الهيئة.

مصادر ثانوية

  • Sonja Brentjes, ‘On the Location of the Ancient or ‘Rational’ Sciences in Muslim Educational Landscapes (AH 500–1100)’, Bulletin of the Royal Institute of Inter-Faith Studies, 4 (2002), 47–71
  • Sonja Brentjes with Robert G. Morrison, ‘The Sciences in Islamic Societies (750–1800)’, in The New Cambridge History of Islam, Volume 4: Islamic Cultures and Societies to the End of the Eighteenth Century, ed. by Robert Irwin (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 546–639
  • Ahmad Dallal, Islam, Science and the Challenge of History (New Haven: Yale University Press, 2010)
  • Khalid El-Rouayheb, Relational Syllogisms and the History of Arabic Logic, 900–1900 (Leiden: Brill, 2010)
  • David King, In Synchrony with the Heavens: Studies in Astronomical Timekeeping and Instrumentation in Islamic Civilization, 2 vols. (Leiden: Brill, 2004)
  • Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, 2nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1970)
  • Robert G. Morrison, ‘A Scholarly Intermediary between the Ottoman Empire and Renaissance Europe’, Isis, 105 (2014), 32–57
  • George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance (Cambridge, MA: MIT Press, 2007)
  • Miri Shefer-Mossensohn, Ottoman Medicine: Healing and Medical Institutions, 1500–1700 (Albany: SUNY Press, 2009)