تجارة النيلة بالخليج في القرن التاسع عشر

د. مارك هوبز

بقلم

متخصص في تاريخ الخليج، المكتبة البريطانية
أدى غرق سفينة تجارية في ١٨٥٢ قبالة الساحل العُماني إلى سلب وفقدان شحنة من النيلة كافية لتزويد دول الخليج كلها لمدة عام.

لقد صنعت الحضارة البشرية النيلة وتاجرت فيها لقرون عديدة. ينتج هذا الصبغ الأزرق الزاهي من نبات نيل الذي ينبت في كثير من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية بالعالم بما فيها الهند. أصبحت النيلة سلعة قيّمة وغالية نظراً لحيويتها وندرتها في العالم الطبيعي إلى جانب إمكانية استخدامها كصبغة.

مصنع النيلة في البنغال. تم تذييل إسم وتوقيع الفنان على الواجهة. الألوان المائية. نُشرت/أنتجت في الأصل في ١٨٦٣ .BL Images: WD 1017
مصنع النيلة في البنغال. تم تذييل إسم وتوقيع الفنان على الواجهة. الألوان المائية. نُشرت/أنتجت في الأصل في ١٨٦٣ .BL Images: WD 1017

الأهمية والقيمة

للنيلة الزرقاء ارتباطات عديدة بمجتمعات مختلفة. ففي العالم العربي، كانت النيلة الزرقاء مرتبطة بالحظ الجيد والنحس وكانت تُستخدم لصبغ الملابس ولوشم الأجساد لدى قبائل شبه الجزيرة العربية وبخاصة في الإحتفالات والأعراس. وكتبت فريا ستارك في قصصها عن رحلاتها في جنوب شبه الجزيرة العربية في ثلاثينيات القرن العشرين عن وجوه النساء المدهونة والحناء الزرقاء في منطقة حضرموت. وكانت النيلة تستخدم في المجتمعات العربية كدواء نظرًا لمكوناتها المنعشة المعروفة.

ونظرًا لأهميتها وقيمتها الاقتصادية العالية، تسارعت القوى الأوروبية، والتي إستعمرت منطقة المحيط الهندي في القرن السابع عشر (ومنها بريطانيا)، في استغلال الطلب على النيلة، وقد أثار وكلاء شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا الإنتاج التجاري الضخم لصبغة النيلة في البنغال. ومع حلول أوائل القرن التاسع عشر أصبحت البنغال المنتج الرئيسي للنيلة في العالم، وكانت إنتاجها وتجارتها محتكرة من قبل بريطانيا.

غرق السفينة والبحارة التعساء

تشير سلسلة رسائل في كتب مراسلات بوشهر بسجلات مكتب الهند - مكتوبة في منتصف القرن التاسع عشر- إلى أهمية النيلة لبريطانيا (باعتبارها المُنْتِج) ولمجتمعات شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج (باعتبارها المستهلك). وتروي هذه الرسائل قصة وصول سبعة وأربعون بحارًا فقيرًا وبائسًا إلى الوكالة السياسية البريطانية في مسقط في ١٩ مايو ١٨٥٢ بعد أن غرقت سفينتهم على بعد مائة وعشرين ميلاً قبالة الساحل منذ أسبوعين.

سنتور كلكتا. من: أخبار لندن المصورة، السبت، ٤ سبتمبر ١٨٢٥
سنتور كلكتا. من: أخبار لندن المصورة، السبت، ٤ سبتمبر ١٨٢٥

كان مأزق هؤلاء البحارة - حيث تم تحطم السفينة وسلبها من قبل قبائل الساحل المحلية - أمراً مألوفاً بالنسبة للمسؤولين البريطانيين بالموانئ في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية إبان القرن التاسع عشر. في هذه الحادثة جنحت السفينة البريطانية سنتور الحاملة ما يزيد عن ١٦٠٠ برميلاً من النيلة الثمينة من كلكتا إلى البصرة، ليلاً في الضباب الكثيف. حكى القبطان سلمون، الضابط الأول لسفينة سنتور أنه وجد نفسه والبحارة في قبضة القبيلة العربية بني بو علي إبان الفجر. وكانت هذه القبيلة قد إشتبكت عدة مرات مع بريطانيا في مواجهات دامية في عشرينيات القرن التاسع عشر.

رسالة رقم ١٤‎ لسنة ١٨٥٢ من الرائد أتكينز هاميرتون - القنصل البريطاني ووكيل شركة الهند الشرقية في دومنيون إمام مسقط - إلى آرثر ماليت، السكرتير العام لحكومة بومباي، ١ يونيو ١٨٥٢. IOR/R/15/1/130، صص.١٢٩–١٣٠
رسالة رقم ١٤‎ لسنة ١٨٥٢ من الرائد أتكينز هاميرتون - القنصل البريطاني ووكيل شركة الهند الشرقية في دومنيون إمام مسقط - إلى آرثر ماليت، السكرتير العام لحكومة بومباي، ١ يونيو ١٨٥٢. IOR/R/15/1/130، صص.١٢٩–١٣٠

وربما لا يثير الدهشة أن سلمون وطاقمه قرروا أنه من الحكمة عدم مقاومة رجال القبيلة الذين أبحروا لملاقاتهم. وسمح بنو بو علي الطاقم بمغادرة السفينة أحياءً شريطة أن يتركون شحنتهم الثمينة.

بعد أسبوعين من وصول الأخبار عن نهب سنتور إلى مسقط، أرسل المسؤولون البريطانيون دورية بحرية لتأكيد مصير السفينة الغارقة. ولم يبق شيئاً من السفينة سوى أشلاء متفحمة بعد أن سُلبت تمامًا من شحنتها وتجهيزاتها. نُهبت جميع الصناديق البالغ عددها ١٦٤٥ من النيلة ووُجد كثير منها فارغًا أو محطمًا على الشاطئ القريب. وكانت القيمة الإجمالية لشحنة النيلة تُقدر بمليون ومائتي ألف روبية. أمنّت شركات التأمين بالهند على خمسة أسداس الشحنة.

اقتباس من وكلاء تأمين السفينة البريطانية سنتور، إلى تشارلز آلين، سكرتير الحكومة في الهند بتاريخ ٢٣ يونيو ١٨٥٢. IOR/R/15/1/130، صص. ١٣٤–١٣٥
اقتباس من وكلاء تأمين السفينة البريطانية سنتور، إلى تشارلز آلين، سكرتير الحكومة في الهند بتاريخ ٢٣ يونيو ١٨٥٢. IOR/R/15/1/130، صص. ١٣٤–١٣٥

كانت خسارة ما يزيد عن ١٦٠٠ برميلاً من النيلة تعتبر مصيبة للتجار البريطانيين في الهند والشرق الأوسط. مثلت شحنة سنتور التي تبلغ قيمتها حوالي ١١ مليون إسترليني اليوم ، إمداد موسم كامل لمنطقة الخليج. كانت النيلة المحمولة على متن سنتور مهمة لدرجة أنه بعد عامين من حدوث الغرق والسلب الفعلي، أستمرت الحكومة في بومباي في توظيف وكلاء للمساعدة في استرداد البضائع الضائعة.

مصادر ثانوية

  • Jenny Balfour-Paul, Indigo (London: British Museum Press, 1998)