شروح العلماء العرب لكتاب المجسطي لبطليموس

د. ماريا خوسيه بارّا بيريز - باحثة مستقلة

بقلم

د. ديرك جروبه - محامي براءات إختراع / باحث مستقل
يُعتبر كتاب المجسطي من أكثر الأعمال موثوقية في علم الفلك بين العلماء العرب قبل العصر الحديث. ولكن يقابل هذا التقدير لنص بطليموس ممارسة شائعة بين القراء العرب وهي عدم الرجوع إلى كتاب المجسطي مباشرة وإنما الاعتماد في دراسة نظريات بطليموس على شروح خُطّت بقلم المفكرين العرب في وقت لاحق.

إذا نظرنا إلى المخطوطات العربية المعروفة في علم الفلك، نجد أن العدد الكبير من النصوص الشارحة لكتاب المجسطي لبطليموس يقابله بقاء عدد قليل للغاية من نُسَخ الكتاب نفسه. فمع أن النص كان متاحًا باللغة العربية منذ أوائل القرن التاسع إلا أن الشروح والصياغات الأحدث غنت، في أغلب الأحوال، عن الحاجة إلى قراءة العمل الأصلي. كما ضمّن علماء الفلك والرياضيات العرب خلال الفترة بين القرنين التاسع والسابع عشر في شروح المجسطي مناقشات لأفكارهم ونظرياتهم المعاصرة.

ظهور علم الفلك البطلمي

بمجرد ترجمة كتاب المجسطي إلى اللغة العربية في بغداد في أوائل القرن التاسع، بدأ العلماء الناطقون بالعربية في إنتاج أعمال نقدية تتناول مبادئ بطليموس. وكان أحد أسباب هذا الاهتمام هو تعرف العرب على نظم فلكية مختلفة في آن واحد، حيث خالف العديد من نظريات بطليموس الأعراف الساسانية والهندية القادمة من الشرق. علاوة على ذلك، كثيرًا ما تباينت  المواضع المرصودة للأجرام السماوية في زمن الحكم الإسلامي مع مواضعها المتوقعة حسب بيانات بطليموس – وكان عمر تلك البيانات بحلول القرن التاسع قد تخطّى ٦٠٠ عام. ودفع غياب الاتساق ذلك علماء الفلك الناطقين بالعربية ليس فقط إلى فحص المفاهيم الموروثة، بل أيضًا إلى تحديثها والإضافة إليها. وشملت تلك العملية رصدًا فلكيًا مستقلًا في المراصد المبنية حديثًا، في حين أصبحت نظريات بطليموس موضوعًا بارزًا في المؤلفات العلمية العربية.

رسم للأبراج وإحداثيات النجوم التي أُعيد حسابها، من كتاب صور الكواكب الثابتة للكاتب عبد الرحمن بن عمرالصوفي. Or 5323، ص. ٧و
رسم للأبراج وإحداثيات النجوم التي أُعيد حسابها، من كتاب صور الكواكب الثابتة للكاتب عبد الرحمن بن عمرالصوفي. Or 5323، ص. ٧و

مكّنت بيانات الرصد المحسنة والرياضيات المتقدمة علماء الفلك الناطقين بالعربية من صقل معايير بطليموس وجداوله الفلكية باستمرار. وجُمِعَت جداول البيانات الفلكية العددية في أعمال سُميت بالأزياج وهي على اتباعها لنظريات بطليموس، ظهرت في الأغلب كأعمال قائمة بذاتها. وفي الوقت ذاته، كُتِبَت أطروحات متخصصة حول نظريات معينة لبطليموس، في حين خُصِصَت نصوص عربية أخرى بشكل واضح لكتاب المجسطي، في شكل تفاسير وتحريرات مختلفة للعمل، ولم تتضمن تلخيصات ومقدمات فحسب، بل شملت أيضًا نقدًا جادًا وصياغات منقّحة للنص.

الشارحون

حتى هذا التاريخ يمكننا تمييز حوالي ثلاثين شارحًا عربيًا لكتاب المجسطي ينتمون للفترة ما بين القرن التاسع والقرن السابع عشر، وذلك إما من خلال الأجزاء الباقية من أعمالهم أو لمجيء ذكرهم في نصوص أخرى. وفيه كثير من الحالات يمكن معرفة مكان وزمان نشأتهم فضلاً عن أسمائهم. إلا أننا مع ذلك لا نعرف سوى النُزُر اليسير عن محتوى كتاباتهم أو المصادر والأعراف العلمية التي اعتمدوا عليها أو تأثيرهم على من جاء بعدهم من العلماء. فكثيرًا ما قام قراء تلك الأطروحات والشروحات بإضافة التعليقات والحواشي أو إعادة صياغة أجزاء من النص أو دمجها مع نصوص من مصادر مختلفة. ونتيجة لهذا التلقّي الإبداعي المتواصل تعدّدت النصوص والمدارس الفكرية.

تأتي أبرز الكتابات العربية التي تتناول كتاب المجسطي إما في شكل "مقدمات أولية" (على سبيل المثال كتاب تسهيل المجسطي لثابت بن قرة، بغداد في القرن التاسع) أو "ملخصات" (مختصر المجسطي أو تلخيص المجسطي، مثل ما كتبه الأبهري في النصف الثاني من القرن الثالث عشر). وتُعدّ الأعمال المذكورة أمثلة نموذجية لأنماط بعينها، ومثلها أيضًا الأعمال التي تشكّك في نظرية بطليموس (مثل الشكوك، بقلم القبيصي في القرن العاشر وابن الهيثم في أوائل القرن الحادي عشر). وبينما يركز مؤلفا "الشكوك" على مواطن الضعف في نظرية بطليموس، تهدف أعمال أخرى إلى تقويم نظريات بطليموس أو تحسين أسلوب عرضها في كتاب المجسطي. ومن النماذج الشهيرة لذلك النمط من الأعمال كتاب إصلاح المجسطي لجابر بن أفلح، الأندلس في القرن الثاني عشر، وكتاب تحرير المجسطي للطوسي، مراغة (في إيران اليوم) في القرن الثالث عشر.

صفحة من كتاب تحرير المجسطي بقلم نصير الدين محمد بن محمد الطوسي. IO Islamic 1148، ص. ٥و
صفحة من كتاب تحرير المجسطي بقلم نصير الدين محمد بن محمد الطوسي. IO Islamic 1148، ص. ٥و

أهمية الشروح

يُبين كتاب تحرير المجسطي أيضًا الدور الهام للشروح في نقل أفكار بطليموس إلى العالم العربي، فهذا النص بالذات يوجد منه أكثر من مائة مخطوطة، أي ما يقرب من عشرة أضعاف النسخ الباقية من كتاب المجسطي نفسه. كما دفع كتاب تحرير المجسطي آخرين إلى كتابة شروح لنص الطوسي، مثل النيسابوري في كتابه تفسير/شرح تحرير المجسطي. مثل تلك المتتاليات من الشروح تمثّل خطابًا علميًا متصلًا وتظهر أيضًا التلقّي المتغير لعمل بطليموس، لكن لا يزال المجسطي يُعتبر أساس كل تلك التطورات. أيضًا لم يقتصر أثر الشارحون العرب للمجسطي على العالم العربي وحده، فقد تُرجِمَ العديد من أعمالهم، مثل الأطروحات التي ذكرناها لثابت بن قرة وجابر بن أفلح، إلى اللاتينية أو العبرية أو السنسكريتية أو غيرها، وفي بعض الأحيان أصبح أثرها خارج العالم العربي أكبر منه داخله.

الصفحة الأولى من تفسير/شرح تحرير المجسطي للنيسابوري، وهو شرح عن تحرير المجسطي للطوسي. Add MS 7476، ص. ١ظ
الصفحة الأولى من تفسير/شرح تحرير المجسطي للنيسابوري، وهو شرح عن تحرير المجسطي للطوسي. Add MS 7476، ص. ١ظ

لا شك أن المعلقون العرب على كتاب المجسطي قد ساهموا في تأمين نقل عمل بطليموس عبر العصور الوسطى. بيد أن الأهم من ذلك، أنهم يمثلون ثقافة البحوث الفلكية التي أجلّت مصادرها التقليدية وانفتحت في الوقت ذاته على التحقيق والتجديد. وأخيرًا، فإن تلك الدراسات الفلكية كان لها أثرًا كبيرًا في تطوير النظريات غير المتعلقة ببطليموس، خاصة في أعمال علماء أوروبا في أوائل العصر الحديث.

مصادر ثانوية

  • Ahmad Dallal, Islam, Science, and the Challenge of History (New Haven & London: Yale, 2010)
  • Roshdi Rashed (ed., in collaboration with Régis Morelon), Encyclopedia of the History of Arabic Science. Vol. 1: Astronomy - Theoretical and Applied (London & New York: Routledge, 2000)
  • Fuat Sezgin, Geschichte des arabischen Schrifttums, Vol 6 (Leiden: Brill, 1978)