منشأة العمالة متدنية الأجر بالوكالة السياسية البريطانية في البحرين

بقلم

متخصص أرشيف
هناك العديد من السجلات ذات الصلة بمسؤولين بريطانيين رفيعي المستوى في الخليج، لكن الخطابات المأخوذة من ملفات المنشأة في مكتب الهند تكشف أيضاً عن ظروف عمل العمالة متدنية الأجور في الوكالة.

كان المسؤولون البريطانيون المعينون من الخدمة السياسية للحكومة في الهند يشغلون مناصب عليا في الوكالة السياسية البريطانية في البحرين خلال الفترة بين ١٩٠٠ و١٩٧١.  وكانوا يعتمدون بدورهم على هيئة من الكتبة والمترجمين، أغلبهم من رعايا الهند البريطانية والذين كانوا يضطلعون بكل العمل الإداري الروتيني. كما اعتمدت الوكالة على فريق من العمالة متدنية الأجر، على مستوى أدنى أيضًا، أغلبهم من البحرين ودول الخليج المجاورة.

سجلات منشأة العمالة متدنية الأجر

شملت "مُنشأة العمالة متدنية الأجر" الفرّاشين (عمالة محلية ومتدنية الأجر)، الكناسين والبستانيين، بالاضافة إلى طاقم زورق الوكالة، بما في ذلك النواخيذ (قباطين المراكب)، "الخلاصيص" (البحارة)، العاملين في المستشفيات، وسائقي الوكالة. وكان أغلبهم مواطنين بحرينيين محليين. كما تحتوي "ملفات المنشأة" الخاصة بالوكالة السياسية بالبحرين في سجلات مكتب الهند على رسائل كثيرة من قبل  مختلف أنواع العمال، لاسيما الرسائل من أربعينيات القرن العشرين، والتي تقدم  لمحة عن حياة الناس العاديين في مجتمع على وشك تغيير جذري. وكانت الموضوعات الشائعة تشمل طلبات زيادة الأجور، طلبات الحصول على إجازة (بما في ذلك إجازات الحج) وطلبات للسلفة من أجورهم. وكان المرسل يوقع الرسائل في الغالب من خلال بصمة من الإبهام الأيسر، وأحيانًا بتوقيعه باللغة العربية.

رسالة من أحمد جاسم، كبير الفرَّاشين في الوكالة، إلى الوكيل السياسي في البحرين بتاريخ ٢١ ذو الحجة ١٣٦٤ [٢٧ نوفمبر ١٩٤٥] يطلب فيها زيادة في بدل القهوة. IOR/R/15/2/977، ص. 8
رسالة من أحمد جاسم، كبير الفرَّاشين في الوكالة، إلى الوكيل السياسي في البحرين بتاريخ ٢١ ذو الحجة ١٣٦٤ [٢٧ نوفمبر ١٩٤٥] يطلب فيها زيادة في بدل القهوة. IOR/R/15/2/977، ص. 8

التماسات زيادة الأجور

في ١٩٤٥، أشار كبيرالفرَّاشين إلى أن الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية الجديد، المقدم غالاوي كان قد أمر بأن تكون القهوة المقدمة ذات نكهة أكثر قوة. وبالتالي فقد طلب كبير الفرّاشين عشرة روبيات زيادة في الأجر شهريًا لتغطية تكاليف "البن، الحبهان، العود، ماء الورد، الفحم، زيت الكيروسين وغير ذلك"، مما يعني أنه كان يدفع تكلفة هذه المشتريات من أجره. وفي نفس العام، زاد أجر سائق الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية من خمسة وثمانين إلى خمسة وتسعين روبية في الشهر، كما أُضيف مبلغ خمسة روبيات في الشهر إلى أجر أحد الفرَّاشين "نظير الاعتناء بدرَّاجات المكتب".

في ١٩٤٧، تضامن ناخودة الوكالة واثنين من الخلاصيص معًا لتقديم التماسًا لمساعد الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية بإعادة النظر في أجورهم ومنحهم زيادة في الأجر، لأن "رواتبنا متدنية جدًا مقارنة بارتفاع نفقات المعيشة واحتياجاتنا اليومية". وقد نتج عن ذلك زيادة الأجر بمقدار خمسة روبيات في الشهر.

وفي نفس العام، اشتكى "ثوبي" (غسَّال) الوكالة أيضًا، كاتبًا: "أغسل حاليًا الأزياء الرسمية، أغطية السيارات وأشياء أخرى تابعة لسيارة وشاحنة المكتب، وكل ذلك دون أي أجر. في نفس الوقت، مازالت أسعار الصابون، الفحم والصودا، الخ مرتفعة. كما أن تكلفة المعيشة في البحرين لم تنخفض بأي شكل". لذا طلب الرجل زيادة أجره بمقدار عشرين روبية في الشهر.

في مثال آخر، أرسل شخص رسالة  في ١٩٤٦ ادعى أنه أكبر الفراشين سنًا في الوكالة، كاتباً فيها: "أرجو الإقرار بأنني شخص هندي يخدم في بلد أجنبي، وأنا أبلغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا وقد أمضيت عشرين عاماً في الخدمة"؛ وبناءً على ذلك فطلب زيادة في الأجر بما يتماشى مع الأشخاص الأصغر سنًا. وفي ١٩٤٦ أيضًا، طلب أحد أعضاء طاقم الزورق زيادة في الأجر بعد العمل "ليلًا ونهارًا" في تدشين الوكالة لمدة ثلاثة أشهر، كاتبًا أن زيادة في أجره ستكون مصدر "راحة لي وأسرتي في مسقط".

التماس من الفرَّاشين والخلاصيص [البحارة] إلى الوكيل السياسي في البحرين بتاريخ ٩ سبتمبر ١٩٤٧، يطلبون فيه زيادة أجورهم. IOR/R/15/2/977، ص. 20
التماس من الفرَّاشين والخلاصيص [البحارة] إلى الوكيل السياسي في البحرين بتاريخ ٩ سبتمبر ١٩٤٧، يطلبون فيه زيادة أجورهم. IOR/R/15/2/977، ص. 20

التحسن التدريجي في الأجور

بحلول أواخر أربعينيات القرن العشرين، أصبح العمالة متدنية الأجر في الوكالة  في وضع أقوى بخصوص التفاوض على الأجور. وقد أشارت مذكرة الوكالة الصادرة في أكتوبر ١٩٤٧ إلى قيام شركة نفط البحرين مؤخرًا بزيادة أجور العمالة العربية لديها في ضوء زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية بعد الحرب. وبناءً عليه طُلبت الموافقة المبكرة على زيادة أجور العاملين في الوكالة بمقدار عشرة روبيات في الشهر "لإثناء العمالة متدنية الأجر عن ترك العمل في الوكالة بحثًا عن وظائف أكثر ربحًا".

مع ذلك، تحسنت مستويات معيشة العمال البحرينية إلا بشكل تدريجي وبطيء. وفي ١٩٤٨، طلب سائق الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية الإذن من المسؤول الطبي الحكومي لحفر بئر في منزله، معللًا ذلك بقوله "لدي دخل محدود ولذلك لا يمكنني تحمل نفقة شراء الماء. لكني أؤكد لكم أنني سألتزم بالقواعد واللوائح المنظمة لمراقبة الصحة والنظافة". وقد دعم الوكيل بنفسه هذا الطلب، كاتباً "سأكون ممتنًا لكم لو تفضلتم بسماح سائقي لحفر بئر مياه في منزله للإستخدام في أغراض الغسيل. إنه لا يستطيع تحمل نفقة شراء الماء باستمرار، مع العلم بأن بئر الماء العام يقع على بعد أربعمائة ياردة من منزله. وللأسف أرى أنه من غير المجدي أن نطلب مثل هؤلاء الانتظار حتى تعمل شبكة المياه الجديدة. وقد يُطلب منهم الانتظار أيضًا لحين توفير مصدر كهرباء كافٍ في المنامة".

رسالة بالنيابة عن الوكيل السياسي في البحرين إلى سكرتير المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢٣ مايو ١٩٤٨، يطلب فيها الإذن بزيادة أجور العمالة متدنية الأجر في الوكالة تماشيًا مع الأجور التي يدفعها أرباب العمل الآخرين في البحرين. IOR/R/15/2/977، ص. ٦٣
رسالة بالنيابة عن الوكيل السياسي في البحرين إلى سكرتير المقيم السياسي في الخليج العربي بتاريخ ٢٣ مايو ١٩٤٨، يطلب فيها الإذن بزيادة أجور العمالة متدنية الأجر في الوكالة تماشيًا مع الأجور التي يدفعها أرباب العمل الآخرين في البحرين. IOR/R/15/2/977، ص. ٦٣

 توضح السجلات كيف أعتمدت الوكالة البريطانية في البحرين على عدد كبير من العمال اليدوية من أجل أداء وظائفها بفعالية، ومن أجل راحة كبار مسؤوليها رغم أن الوكالة كانت مصدر عمل مرغوب (الملفات تظهر كثرة المتقدمين لهذا العمل)، الأجور كانت منخفضة تمامًا، وقد تفاقمت الظروف مع تأثير نقص الموارد في وقت الحرب. في الواقع، أثر ازدياد المنافسة على خدمات هؤلاء العمال مع بداية ازدهار صناعة النفط بعد ١٩٤٥ على مطالباتهم بأجور أعلى.