وصول التلغراف اللاسلكي للبحرين

بقلم

متخصص أرشيف
كيف وصلت تكنولوجيا الاتصالات الحديثة إلى البحرين في ١٩١٦؟

لم يكن هناك أي تواجد للتلغراف اللاسلكي في البحرين قبل سنة ١٩١٦. وإذا أرغب أحداً في الاتصال تلغرافيًا كان عليه أن يرسل الرسائل إلى بوشهر عبر سفينة البريد البحري التي تنطلق مرة كل أسبوعين.  أحدث إدخال التلغراف اللاسلكي في جزر البحرين — كان التلغراف في ذلك الوقت يضاهي تكنولوجيا البريد الإلكتروني في يومنا الحالي —  ثورة في الاتصالات حيث لعب دور مهم في تحديث البلاد.

التلغراف اللاسلكي هو وسيلة للاتصالات تستخدم في إرسال الرسائل (وتعرف بإسم البرقيات) بدون أسلاك توصيل وعبر شفرة مورس. وفيما بعد تم إدخال اللاسلكي كوسيلة لإرسال الرسائل الصوتية، وظل يستخدم لمدة طويلة كوسيلة للاتصالات التجارية والرسمية.

التجارة والتبادل التجاري: التلغراف "نعمة لا تُقدر بثمن"

نظرًا لوضع بريطانيا باعتبارها القوة الاستعمارية المهيمنة في منطقة الخليج خلال هذه الفترة، فلا غرابة أن الإدارة البريطانية في البحرين لعبت دوراً فعالاً في إدخال التكنولوجيا إلى الجزيرة. وثمة رسالة من الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية في البحرين أرسلها في ١٩٠٢ إلى المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 في بوشهر توضح هذه المزايا. لكن الرسالة توضح أن التجار البريطانيين والهنود في البحرين أخذوا المبادرة في هذا الصدد، بعد أن طالبوا الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية لتأسيس وسائل اتصالات أفضل مع الهند حتى تمتلك البحرين نفس المنشآت التي كانت تتمتع بها مناطق خليجية آخرى "ذات أهمية تجارية أقل".

تعد سرعة الاتصالات ذات الأهمية الشديدة، لاسيما بالنسبة إلى تجارة اللؤلؤ التي كانت - نتيجة لطبيعتها القائمة على المضاربة - تتطلب القدرة على زيادة الطلبات أو سحبها بسرعة. لم يؤتِ الاقتراح أي ثمار واضطر الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية إلى تجديد مطالبه مرتين في ١٩٠٧ و١٩١٣، إذ كان يتنبأ أن تصبح الاتصالات اللاسلكية "نعمة لا تُقدر بثمن لتجار تلك الجزر".

لقد لفت الانتباه إلى المزايا التي سيحظى بها البريطانيون، سواء من ناحية أنه سيُنظر إليهم على أنهم يهتمون أكثر بتحسين الظروف في البحرين أو فيما يتعلق بتسهيل وسائل الاتصالات بين سفن البحرية الملكية في الخليج. وبحلول سنة ١٩١٤، سمحت الحكومة الهندية بدء العمل وأنطلق المشروع.

رسالة من جون كالكوت جاسكين، الوكيل السياسي المساعد في البحرين، بتاريخ ٧ سبتمبر ١٩٠٢، يؤيد فيها إدخال خدمة التلغراف اللاسلكي إلى البحرين. IOR/R/15/1/20، ص. ١و
رسالة من جون كالكوت جاسكين، الوكيل السياسي المساعد في البحرين، بتاريخ ٧ سبتمبر ١٩٠٢، يؤيد فيها إدخال خدمة التلغراف اللاسلكي إلى البحرين. IOR/R/15/1/20، ص. ١و

أحجار من "المقابر الفينيقية القديمة"

وقع الاختيار على موقع بطول ٧٠٠ قدم وعرض ٥٠٠ قدم على بعد أقل من ميل واحد من الوكالة ومدينة المنامة. قُدمت هذه الأرض كإهداء من ملك البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة.

كان هناك أحد الاقتراحات بأن تتم إزالة الأحجار من "المقابر الفينيقية القديمة" في عالي (تقع شمال البحرين وتشتهر بمقابرها المرتفعة)، لأن الأحجار المأخوذة من المقابر كانت أفضل بكثير من النوع المستخدم بشكل عام في أغراض البناء في البحرين. في واقع الأمر فإن هذه المقابر ترجع إلى حضارة دلمون الأصلية التي ازدهرت في العصور القديمة في البحرين وأجزاء أخرى من الخليج. من حسن الحظ أن هذا الاقتراح قوبل بالرفض، لكن تم منح الإذن باستخدام حجر شبه مربع في أساسات مبنى اللاسلكي من قلعة البرتغال، أو "قلعة البحرين" كما يطلق عليها الآن، وهو أحد مواقع التراث العالمي التي تشرف عليها اليونيسكو.

خريطة مرسومة للمنامة والمنطقة المحيطة استخدمت في تحديد الموقع المحتمل لمحطة التلغراف اللاسلكي، حوالي ١٩١٢. IOR/R/15/2/20،  ص.١٦و
خريطة مرسومة للمنامة والمنطقة المحيطة استخدمت في تحديد الموقع المحتمل لمحطة التلغراف اللاسلكي، حوالي ١٩١٢. IOR/R/15/2/20، ص.١٦و
رسالة من المهندس التنفيذي لمنطقة مباني كراتشي يسأل فيها عما إذا كانت هناك أية اعتراضات على إزالة الأحجار من "المقابر الفينيقية القديمة" في عالي لاستخدامها في بناء محطة اللاسلكي الجديدة، ١٤ يوليو ١٩١٤. IOR/R/15/2/20، ص.٦٠و
رسالة من المهندس التنفيذي لمنطقة مباني كراتشي يسأل فيها عما إذا كانت هناك أية اعتراضات على إزالة الأحجار من "المقابر الفينيقية القديمة" في عالي لاستخدامها في بناء محطة اللاسلكي الجديدة، ١٤ يوليو ١٩١٤. IOR/R/15/2/20، ص.٦٠و
رسالة سرية من الوكيل السياسي في البحرين، إلى ستيوارت جورج نوكس، المقيم السياسي في بوشهر، بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩١٤ يكتب فيها أنه لا يوجد أي اعتراض من "منظور أثري أو فني" تجاه إستخدام الأحجار من قلعة البرتغال في أساسات المحطة اللاسلكية. IOR/R/15/2/20، ص.٦٤و
رسالة سرية من الوكيل السياسي في البحرين، إلى ستيوارت جورج نوكس، المقيم السياسي في بوشهر، بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩١٤ يكتب فيها أنه لا يوجد أي اعتراض من "منظور أثري أو فني" تجاه إستخدام الأحجار من قلعة البرتغال في أساسات المحطة اللاسلكية. IOR/R/15/2/20، ص.٦٤و

رصاصات طائشة

ظهرت مشكلة في ١٩١٥ عند وشك إنتهاء العمل في بناء المحطة اللاسلكية؛ فقد اشتكى المشرف على الموقع من قيام شخص ما بإطلاق بعض الرصاصات في المنطقة وقد مرت بعضها عبر المجمَّع. كان يخشى من حدوث المزيد من الضرر إذا لم يتم توفير "نواطير" أو حراس بأعداد كافية. لم توضح الأوراق من أطلق الرصاص بالفعل، ولماذا، لكن من الواضح أن السلطات البريطانية والبحرينية كانت قلقة من إمكانية حدوث أضرار بالمبنى والمعدات المستخدمة في الموقع.

استجاب شيخ البحرين وأصدر أوامره بوضع الحراس وحذَّر سكان المنطقة من دخول المبنى أو التسبب في أي أضرار. ومع ذلك، ظلت مسألة الأمن تمثل مشكلة حتى سنة ١٩١٦، حتى اقتُرحت إحاطة المحطة بحواجز من الأسلاك الشائكة.

"خالص الشكر" للتلغراف

على الرغم من هذه المشاكل، افتُتحت المحطة اللاسلكية الجديدة في مارس ١٩١٦. وقد تلقت الوكالة خطابات التهنئة من العديد من الأشخاص في البحرين، بمن فيهم الشيخ عيسى. ونظرًا للضغوط المثمرة التي مارسها التجار البريطانيون والهنود في ١٩٠٢، قرر المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 أن يرسل برقية تلغرافية من بوشهر لتهنئة مجتمع العاملين في اللؤلؤ والتجار على إنطلاق الاتصالات اللاسلكية، التي كان يأمل أن تكون "مفيدة لهم في الأعمال والتجارة".

ردًا على هذه البرقية، أعرب التجار عن "خالص شكرهم" وتمنوا أن يستطيعوا "الاستفادة من المشروع قريبًا" . إستمرار أهمية تجارة اللؤلؤ بالنسبة إلى الاقتصاد البحريني في عشرينيات القرن العشرين توضح الفوائد المؤكدة لهذه التكنولوجيا الجديدة آنذاك.

برقية من أرثر بريسكوت تريفور، المقيم السياسي في الخليج العربي، تهنئ  شيخ البحرين وتجار اللؤلؤ البحرينيين على إنطلاق الاتصالات اللاسلكية. IOR/R/15/2/20، ص. ٩٣و
برقية من أرثر بريسكوت تريفور، المقيم السياسي في الخليج العربي، تهنئ شيخ البحرين وتجار اللؤلؤ البحرينيين على إنطلاق الاتصالات اللاسلكية. IOR/R/15/2/20، ص. ٩٣و