وكيل نابليون: رصد تحركات مسيو روميو في الشرق

بقلم

متخصص أرشيف، المكتبة البريطانية
كانت الحروب النابليونية في أوجّها حين أثار ضابط فرنسي غامض حذر البريطانيين في القسطنطينية وسوريا وبلاد فارس.

في ٢٧ سبتمبر ١٨٠٥، وصل قارب إلى مرفأ بوشهر حاملاً حزمة من الرسائل إلى ويليام بروس، المقيم القائم بالأعمال المحترم شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا هناك. اشتملت الحزمة على رسائل من هارفورد جونز، ممثل الشركة في بغداد. في هذه الرسائل طلب جونز من بروس أن يكون يقظاً من ظهور ضابط فرنسي يدعى روميو في أي من موانئ الخليج. كما أرفق نسخًاً عن رسائل تلقاها من مسؤولين بريطانيين آخرين في الشرق حول تحركات هذا الرجل الفرنسي.

بارع في فن التآمر

أولى هذه الرسائل كانت من ألكسندر ستراتون، الوزير البريطاني المفوض من بريطانيا والمبعوث إلى الباب العالي العثماني (دبلوماسي يملك صلاحيات كاملة لتمثيل بريطانيا لدى البلاط العثماني)، حذر فيها في يونيو ١٨٠٥ من وجود روميو، الوزير الفرنسي السابق في كورفو، في القسطنطينية، وذكر أن الأخير"اكتسب سمعة كرجل متعدد المواهب وبحوزته مبلغ كبير من المال تحت تصرفه، بالاضافة إلى كونه بارعاً للغاية في التآمر".

الرسالة الثانية إلى جونز من جون باركر، قنصل شركة المشرق (شركة بريطانية مُرخصة قامت بتنظيم التجارة مع تركيا ودول شرق البحر المتوسط)، حيث كتب من أنطاكية في يوليو ١٨٠٥ مشيرًا إلى وصول روميو هناك آنذاك، وإلى إحتمال إتجاهه إلى الهند، أو على الأقل إلى بلاد فارس. وفي وقت لاحق من شهر يوليو، أرسل باركر تحذيرًا إلى جونز يشير فيه إلى تأكيده بأن روميو كان في طريقه إلى بغداد ، بعد أن قام الرجل الفرنسي بتحويل مبالغ مالية كبيرة في حلب إلى العملة الذهبية شائعة الاستخدام في بغداد.

مقتطف من رسالة  ألكسندر ستراتون إلى هارفورد جونز، ١٤ يونيو ١٨٠٥. IOR/R/15/1/8، صص. ١٤و-١٥
مقتطف من رسالة ألكسندر ستراتون إلى هارفورد جونز، ١٤ يونيو ١٨٠٥. IOR/R/15/1/8، صص. ١٤و-١٥

اختتم جونز مراسلاته برسالة إضافية إلى بروس يصف فيها روميو: "هو شخص متوسط الحجم، يبلغ طوله حوالي ٥ أقدام و٨ أو ٩ بوصة، بلا أية ملامح وجه مميزة، داكن البشرة والشعر، وعمره ٣٦ سنة تقريبًا، ويميل إلى النحافة ، وعندما يتحدث تظهر لثغة خفيفة مميزة في كلامه". كان بصحبته مترجم وشخصان يبدو أنهما خادمان. رأى جونز أنه من المهم للغاية أن يحذر بروس، خشية أن يحاول الرجل الفرنسي التوجه إلى مسقط أو الهند. واستجابة لذلك، تعهد بروس بمراقبة الموانئ الجنوبية للخليج وتنبيه وكلائه في شيراز وأصفهان.

مقتطف من رسالة هارفورد جونز إلى ويليام بروس، ٩ سبتمبر ١٨٠٥. IOR/R/15/1/8، صص. ١٦ظ
مقتطف من رسالة هارفورد جونز إلى ويليام بروس، ٩ سبتمبر ١٨٠٥. IOR/R/15/1/8، صص. ١٦ظ

التحالف العسكري بين فرنسا وبلاد فارس

تم إدارج المراسلات المتعلقة بروميو، الذي كانت أنشطته مشابهة لتلك من قبل أحد الوكلاء الأجانب الغامضين لجون بوشان في قرن لاحق، في مذكرات مقيمية بوشهر للفترة من ١٨٠٥ إلى ١٨٠٦.

كان المقدم ألكسندر روميو يعمل بلفعل كمرسال لنابليون، وكان واحد من اثنين من المبعوثين في ذلك الوقت، وتمثلت مهمته في تحري إمكانية إنشاء حلف عسكري بين فرنسا والبلاط الفارسي. وقد حرص الشاه فتح علي شاه قاجار وحكومته على الاستفادة من القوة الفرنسية كقوة موازنة لقوة روسيا وبريطانيا في المنطقة، كما كان نابليون مازال يحلم حلمه القديم بغزو الهند. كما أن وريث عرش الشاه، عباس ميرزا كان معجباً للغاية بانتصار نابليون على الروس والنمساويين في أوسترليتز في ديسمبر ١٨٠٥. وعلى الرغم من أنه تم في النهاية التوقيع على المعاهدة بين فرنسا وبلاد فارس في ١٨٠٧، لكن معاهدة سلام تيلسيت سرعان ما أوقفت الأعمال العدائية بين فرنسا وروسيا بعد ذلك، ونتيجةً لذلك فإن التحالف الفرانكو-فارسي لم يرى النور.

صورة للشاه الفارسي، فتح علي شاه قاجار، ١٧٩٨-١٧٩٩
صورة للشاه الفارسي، فتح علي شاه قاجار، ١٧٩٨-١٧٩٩

شائعات التسمم

رغم ذلك، كانت مهمة روميو في بلاد فارس قصيرة. يروي الكاتب والدبلوماسي إيرادج أميني قصة نجاة روميو من محاولة اغتيال في حلب خطط لها - بحسب أحد المصادر - جون باركر.

في نهاية سبتمبر كان روميو في طهران عندما مرض وتوفي في ١٢ أكتوبر بعدما "تقيأ باستمرار لمدة ثلاثة أيام وإرتعد جسمه وارتفعت حرارته للغاية". دفن روميو في إحدى ضواحي طهران "بجوار ضريح أحد الشخصيات الشيعية الموقرة". وقد أشار أحد المصادر الفرنسية إلى انتشار إشاعة محلية بأن روميو مات مسمومًا: مرض المترجم الخاص بروميو أيضًا لكنه نجا وعاد إلى فرنسا في النهاية.

 وتؤكد رواية أميني الانطباع المأخوذ عن روميو المبني على السجلات حين تصفه بأنه يتمتع بمهارات دبلوماسية ورؤية استراتيجية. وقد امتدح أميني قدرة روميو على تحليل المواقف السياسية في طهران، وأدعي بأن روميو كان يؤمن بأن الإمكانيات الكبرى للفرس في مساعدة فرنسا كانت موجهة ضد الروس، وليس ضد البريطانيين الذين لم يملكوا أية قوة بحرية.

تساعد المراسلات المتعلقة بروميو في إيضاح أهمية محاولات البلاط الفارسي للمناورة من أجل الحصول على مكانة مميزة بين القوى الأوروبية العظمى، ليس ذلك فحسب لكنها تشرح أيضًا طريقة تبادل ممثلي بريطانيا في الشرق للمعلومات في وجه التحدي الأمني الخطير في المنطقة.

مشهد لطهران، حوالي ١٨٠٨. المصدر: السير هارفورد جونز، رحلة عبر بلاد فارس، أرمينيا، وآسيا الصغرى ... (١٨١٢)، ص. ١٨٥
مشهد لطهران، حوالي ١٨٠٨. المصدر: السير هارفورد جونز، رحلة عبر بلاد فارس، أرمينيا، وآسيا الصغرى ... (١٨١٢)، ص. ١٨٥

مصادر ثانوية

  • Iradj Amini, Napoleon and Persia: Franco-Persian Relations Under the First Empire, (Washington: Mage, 1999) p. 65ff

    Arthur H. Grant, ‘Barker, John (1771–1849)’, rev. Lynn Milne, Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, 2004
    <http://www.oxforddnb.com/view/article/1405> [accessed 30 May 2014]


    T. F. Henderson, ‘Brydges, Sir Harford Jones, first baronet (1764–1847)’, rev. H. C. G. Matthew, Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, 2004; online edn, Jan 2008 <http://www.oxforddnb.com/view/article/3805> [accessed 30 May 2014]

    The Cambridge History of Iran, Vol. 7 (Cambridge: Cambridge University Press, 1991)