الجزء الثالث: النُّسّاخ والأماكن والأصوات الإنسانية في حرود المتن

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

لا تقتصر وظيفة حرد المتن على تأريخ المخطوطة فحسب، بل هو مدخلٌ يتيح لنا التعرف على الناسخ، وقد يكشف عن هويته وهواجسه ونَسَبِه والمدن التي عمل فيها. هذه هي المقالة الثالثة والأخيرة في سلسلةٍ من ثلاث مقالات.

المقالات الأخرى في هذه السلسلة: الجزء الأول؛ الجزء الثاني.

 

تمنحنا حرود المتن مدخلًا إلى عالم النُّسّاخ الخفي عادةً. ومن خلالها نتعرّف إلى أسمائهم وأنسابهم وأماكن وظروف عملهم، وحتى أحيانًا آمالهم أو شكاواهم الشخصية. وتُضفي هذه العبارات اليسيرة طابعًا إنسانيًا على تقليد المخطوطات، وتُظهر التجارب المُعاشة الكامنة وراء إنتاجها. 

حضور الناسخ

إذا ذكر الناسخ نفسَه في حرد المتن، فإنه غالبًا ما يقدّم نفسه بعبارة "على يد[ي]" أو "بيد[ي]"، ويقرن اسمه بصيغٍ من التواضع، مستخدمًا مزيجًا من الأوصاف التالية الدالة على التذلّل:

وفي مثالٍ بالغ الدلالة على التواضع الذاتي، يصف ناسخ مخطوطة من أوائل القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) من تبريز نفسَه بأنّه: "العبد الضعيف النحيف إلى الله تعالى العارف به الذنوب وخطايا عبداك مجمل المُسْرِف على نفسه المعترف بذنبه الراجي رحمة ربه الغفور أحقر عباد الله وأحوجهم إلى غفرانه ورحمته عمر بن محمد بن سلّام بن عبد الله الإربيلي عفا الله عنه وتجاوز خطاياه".

حرد المتن شديد التواضع لعمر بن محمد الإربيلي. Or 5619، ص. ١٩٢و
حرد المتن شديد التواضع لعمر بن محمد الإربيلي. Or 5619، ص. ١٩٢و

الأسماء والنِّسَب والأنساب

غالبًا ما تحفظ حرود المتن في المخطوطات العربية معلوماتٍ قيّمة عن الناسخ. وقد يشتمل اسم الناسخ على:

  • النِّسبة: وهي إشارات وصفيّة للانتماء، غالبًا ما تكون جغرافيّة (مثل: البَصْرِي، القُمِّي)، وقد تكون أيضًا مهنية أو اجتماعية (مثل الانتساب إلى مذهب فقهي أو طريقة صوفية)
  • النَّسَب العائلي: ويُعبَّر عنه بذكر اسم الأب والجد أو بسلسلة نسب ممتدّة.

ولهذه العناصر مجتمعةً أهمية كبيرة في إعادة بناء الشبكات العلمية والفكرية. ففي المخطوطة Add MS 7470، على سبيل المثال، يتجاوز الناسخ ما سبق بالادعاء صراحةً بأنه من نسل مؤلف النص، وهو ما يبرز القيمة الثقافية التي أُوليَت لسلاسل النَّسَب العلمية والعائلية في نقل المخطوطات.

مخطوطات بخط المؤلفين

يكشف حرد المتن أحيانًا أن الناسخ هو نفسه مؤلف النص. وتُسمى المخطوطة المنسوخة بيد مؤلفها مخطوطة أصلية بخط أو يد المؤلف. ومن الأمثلة على ذلك دليل في تفسير الأحلام بعنوان "البدر المنير في علم التعبير"، وهي مخطوطة أصلية نادرة بخط مؤلفها من مصر المملوكية. ويصف المؤلف والناسخ نفسه في حرد متن هذه المخطوطة بلقب "خويدم أهل العلم" المتواضع.

في حرد متن المؤلف هذا، يذكر ابن جَيْدان أنه مؤلف المخطوطة وناسخها. Or 7733، ص. ٢٦٠و
في حرد متن المؤلف هذا، يذكر ابن جَيْدان أنه مؤلف المخطوطة وناسخها. Or 7733، ص. ٢٦٠و

الأمكنة والتأملات الشِعْريَة

قد يدوّن الناسخ أيضًا المكان الذي نسخ فيه المخطوطة. ونجد أحيانًا تفاصيل دقيقة عن المسجد أو المدرسة أو المكتبة الخاصة التي جرى فيها النسخ، لكن الأغلب أن يكتفي الناسخ بذكر اسم المدينة فقط. وغالبًا ما أُشيرَ إلى المدن بنعوتٍ تشريفية، كما في الجدول أدناه، مقرونةً بدعوات لحفظها وسلامتها:

وبعد عرض هذه التفاصيل، قد يضيف النُّسّاخ ملاحظات تعكس وعيهم بفناء الإنسان وبقاء الأثر المكتوب. ومن الأمثلة الشعرية على ذلك ما كُتب على جانبي حرد متن مؤرخ سنة ١٠٩٧هـ/١٦٨٦م، جاء فيه: "يلوح الخطّ في القرطاس دهرًا وكاتبه رميم في التراب".

بيان كئيب أم شاعري أم صادق؟ تذكير شعري بفناء الإنسان. Add MS 7527، ص. ١٧٠و
بيان كئيب أم شاعري أم صادق؟ تذكير شعري بفناء الإنسان. Add MS 7527، ص. ١٧٠و

لا يمكن النظر لحرود المتن على أنها مجرّد بيانات إدارية مُلحقة بخاتمة النص؛ فهي تتجاوز ذلك لتصبح شهادات شخصية وثقافية وتاريخية. وتحفظ حرود المتن أصواتًا كان يمكن أن تضيع لولاها، وتكشف عن النُّسّاخ الذين أسهموا في تشكيل العالم الفكري لتقليد المخطوطات العربية. ومن خلالها يتحدّث الماضي إلينا، بتواضعٍ أحيانًا، وبشاعرية في أحيانٍ أخرى، وبغض النظر عن نبرته، فإنه دائمًا حيٌ نابضٌ بالتفاصيل.