عرض عام
المقالات الأخرى في هذه السلسلة: الجزء الأول؛ الجزء الثالث.
غالبًا ما تحفظ حرود المتن التاريخ الصريح الوحيد في المخطوطة. غير أنّ تفسير هذه التواريخ قد يكون معقّدًا؛ إذ استخدم النُّسّاخ أنظمة تقويم متعددة، واصطلاحات مختلفة لتسمية الأشهر، وصيغًا تقريبية تتطلب تحليلًا دقيقًا لرموزها. ويسمح فهم هذه العناصر بتأطير المخطوطات ضمن سياقها التاريخي على نحوٍ أدقّ.
التقاويم في المخطوطات العربية
على الرغم من أن معظم التواريخ الواردة في حرود متن المخطوطات العربية المتاحة على مكتبة قطر الرقمية تعتمد التقويم الإسلامي الهجري (هـ)، فقد استُخدمت تقاويم أخرى أحيانًا. وكان النُّسّاخ يحددون التقويم المقصود بوصف السنة في حرد المتن بصفةٍ معينة أو بإضافتها إلى شبه جملة. ومن أكثر هذه الصيغ شيوعًا:

ولتحويل التواريخ بين هذه التقاويم، يمكن الاستعانة بأداة "محول التقويم لمؤرخي الشرق الأدنى" التي أنشأها ثيو س. بيرز، والتي تحتوي على مجموعة التقاويم الأساسية اللازمة في معظم الحالات. وإذا دعت الحاجة إلى نطاق أوسع من التقاويم، فإن أداة المقارنة "حاسبة التقاويم ٢" على موقع "التسلسل الزمني والتقويم" الذي أنشأه نيكولاس أ. بار، يمكنها حلّ معظم المسائل المعقّدة في هذا المجال.

الشهور الهجرية ونُعوتها
تميل حرود المتن في المخطوطات العربية إلى استخدام الأشهر الهجرية. وعندما تكون أسماء الأشهر غير مقروءة، قد تساعد معرفة نُعُوتِها التكريمية التقليدية على تضييق الاحتمالات.

ويبدأ اليوم في التقويم الإسلامي (وكذلك في التقويم اليهودي) عند غروب الشمس. لذلك إذا ذكر الناسخ "ليلة" تاريخٍ معيَّن فإن التاريخ المقابل في التقويم الميلادي يكون في اليوم السابق. ورغم أن لكل شهر من شهور السنة الهجرية عددًا تقليديًا من الأيام (انظر الجدول أدناه)، فإن العدد الفعلي لأيام أي شهر قمري في أي منطقة جغرافية كان يعتمد على رؤية هلال الشهر الجديد. وبما أن عدد الأيام قد يختلف عمليًا بما يصل إلى يومين، فمن الأنسب الاسترشاد بيوم الأسبوع عند تحديد التاريخ المقابل في نظام تقويم آخر، إذ أن دورة الأسبوع ذات الأيام السبعة كانت مشتركة وثابتة في جميع أنظمة التقويم الرئيسة في العالم الناطق بالعربية، سواء أكانت أسماء الأيام فيها مُستمدّة من الأجرام الكوكبية (كما في السنسكريتية والإنجليزية وكثير من اللغات الأوروبية)، أم قائمة على الأعداد الترتيبية (كما في العربية والفارسية والتركية واليونانية).

وتجدر الإشارة إلى أن حرف الجر"لـِ" يُستعمَل أحيانًا في صيغ التاريخ بدلًا من "في" بمعنى "في وقت". ومن أمثلة ذلك ما ورد في حرد متن مخطوطة منسوخة سنة ٩٩٧هـ: "… قد فرغت من انتساخ / هذه النسخة الشريفة ليوم الأثنين / من شهر شوال سنة ٩٩٧" (Add MS 7470، ص. ١١٠و، الأسطر ٢-٤).

التأريخ التقريبي باستخدام "الأعشار"
قد لا تكون التواريخ في حرود المتن دقيقةً دائمًا، كما في مثال المخطوط Add MS 7470 المذكور أعلاه، والذي ينص على أن النسخ اكتمل يوم اثنين من شهر شوّال، من دون تحديد اليوم من الشهر. ومن طرائق التأريخ التقريبي تقسيم الشهر إلى ثلاثة أقسام، كلٌّ منها يضم عشرة أيام تقريبًا، أي "أعشار" (مفردها عُشْر). وعند الجمع بين هذا "العُشْر" وذكر اسم اليوم من أيام الأسبوع يمكن غالبًا استنتاج التاريخ بدقّة. وعلى سبيل المثال، يعمل هذا النظام في شهر مُحَرَّم على النحو التالي:


وأحيانًا يكتفي الناسخ بذكر أول يوم من الشهر أو وسطه أو آخره بدلًا من تحديد رقم اليوم:

الأيام والليالي وأنظمة العد
قد يشير النُّسّاخ أحيانًا إلى التاريخ بالاستناد إلى عدد الليالي المنقضية من شهر معين أو تلك المتبقية فيه. وفي هذه الحالات تُستخدم الأفعال "خَلَا" أو "مَضَى" للدلالة على الليالي المنقضية، والفعل "بَقِيَ" للدلالة على الأيام المتبقية. كما يتضح في الأمثلة التالية لشهر مُحَرَّم:

ولم يكن هذا النظام يُطبَّق دائمًا على نحوٍ صارم في عمليات النسخ؛ إذ يذكر النُّسّاخ أحيانًا الأيام بدلًا من الليالي سواء تلك المنقضية أو المتبقية، ولا يلتزمون دائمًا باستخدام حرف الجرّ "لِـ" قبل العدد، أو لا يراعون الانتقال المنهجي عند منتصف الشهر من العد التصاعدي (لليالي أو الأيام التي مضت) إلى العد التنازلي (لليالي أو الأيام المتبقية).

قد يبدو تأريخ المخطوطة في ظاهره أمرًا بسيطًا، غير أن حرود المتن تكشف عن عالمٍ من التقاويم المتداخلة، والبُنى الشهرية المرِنة، والصِيَغ التقريبية في تحديد التواريخ. وعند تحليل رموز هذه الأنظمة والبُنى بعناية، فإنها لا توضح لنا التسلسل الزمني فحسب، بل أيضًا السياقات الثقافية التي أُنتجت فيها المخطوطات.
* إن نسخ حرود المتن ليس بالأمر اليسير دائمًا، وقد نقع في الخطأ أحيانًا كما حدث في سجلات الفهرسة لهاتين المخطوطتين.



