ثلاثينيات القرن العشرين: الخليج "طريق سريع بين الشرق والغرب"

بقلم

متخصص أرشيف
كانت ثلاثينيات القرن العشرين العقد الذي حوَّل الخليج من مجرد ممر بين بريطانيا وإمبراطوريتها إلى موقع استراتيجي في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية لتصبح "طريقًا سريعاً بين الشرق والغرب".

كانت ثلاثينيات القرن العشرين العقد الذي حوَّل طابع وأهمية الخليج. فمن وجهة نظر بريطانيا، تحولت المنطقة في هذه الفترة من مجرد مسار يربط بين بريطانيا وإمبراطوريتها في الهند إلى منطقة استراتيجية منتجة للنفظ وتحظى بأهمية كبرى للقوى العالمية المتنافسة، خاصةً قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

انعكست هذه التغييرات --بجانب تغييرسياسة بريطانيا تجاه المنطقة-- في التقارير الإدارية السنوية المُرسلة إلى الحكومة في الهند من قِبل المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 في الخليج العربي وغيره من كبار المسؤولين البريطانيين. تُلقي تقارير من الثلاثينيات الضوء على أربعة مجالات رئيسية للتغيير في المنطقة: وهي النقل الجوي والنفط وتغيير علاقات القوى المحلية واندلاع الحرب العالمية الثانية.

"قناة السويس الجوية": النقل الجوي

في ثلاثينات القرن الماضي تجلَّت أهمية النقل الجوي المتنامية في تطوير الخطوط الجوية الخليجية. وبالفعل في ١٩٣٢، أشار المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من 1763 إلى 1971 إلى أهمية وجود طريق جوي إلى الهند، وأدى ذلك إلى جعل منطقة الخليج بمثابة "قناة السويس الجوية". في منتصف عشرينيات القرن الماضي، لم يكن هناك طريق جوي على الإطلاق على الجانب العربي من الخليج.

 وبحلول ١٩٣٧ تحسن الوضع في الجانب العربي، حيث قدَّمت الخطوط الجوية الإمبراطورية خمس خدمات أسبوعيًا للركاب والبريد، وتم افتتاح محطة توقف جديدة في الشارقة. وبحسب الوكيل السياسي، فإن الخليج قد "تحول خلال عشر سنوات من طريق مسدود إلى طريق سريع بين الشرق والغرب".

النفط

كان النفط هو العامل الأكبر في تغيير وجه منطقة الخليج. تم اكتشاف النفط في البحرين في ١٩٣٢. وبحلول ١٩٣٧، أدى إنشاء مصفاة جديدة إلى زيادة إجمالي إنتاج النفط إلى أكثر من مليون طن، وتمت إضافة اثني عشر خزانًا جديدًا في ١٩٣٩.

في ١٩٣٨، تم اكتشاف حقول نفطية أخرى في الكويت وفي واحة الأحساء في المنطقة الشرقية بالسعودية. وفي ١٩٣٩، بدأ الاستكشاف الجوي فوق المنطقة الداخلية في الساحل المتصالح، بينما بلغ عُمق الحفر في "البئر رقم واحد" في قطر ٥٦٨٥ قدم وأنتج "كمًا واعدًا من النفط".

خلال عشرينيات القرن العشرين، لم تكن المملكة العربية السعودية مهتمة للغاية بمشيخات الخليج العربي: وقد غيَّر اكتشاف النفط هذا الحال حيث بدأ السعوديون التفكير في التوسُّع في المنطقة. وبالنسبة للبريطانيين، كان اكتشاف النفط في دول الخليج الخاضعة لحمايتها يعني الحرية وعدم الاعتماد على إيران والأسرة البهلوية الحاكمة للحصول على إمدادات النفط — وهو اعتبار مهم في حالة الحرب.

تحوّل في علاقات القوى المحلية

أفضت صناعة النفط أيضًا إلى زيادة هائلة في عدد الأوروبيين والأمريكيين في البحرين حيث ارتفع عددهم من اثني عشر شخصًا في ١٩٢٦ إلى ٣٠٠ شخص في ١٩٣٦. وأدى ذلك إلى تقوية العلاقات الثقافية والشخصية بين الخليج والغرب، لا سيما عندما أصبحت الخليج تُستَثمَر استراتيجيًا واقتصاديًا في الاقتصاد السياسي للقوى الغربية.

وعلى الرغم من زيادة الأهمية الاقتصادية للمنطقة، اندلعت اضطرابات سياسية في دول الخليج. في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ عدد من شعوب دول الخليج يطالبون بحكومة أكثر تمثيلاً لهم، وهو ما اعتبره المسؤولون البريطانيون "تطورًا جديدًا ومهمًا". وفي ١٩٣٩، نتج عن ذلك إنشاء وتعيين مجالس استشارية عقب حركة المجلس التشريعي في الكويت وغيرها من الحركات في ١٩٣٨.

 وفي ١٩٣٨، شهدت البحرين أيضًا مظاهرات قومية نتيجة للإستياء الشعبي عن محاكم البحرين والنظام التعليمي للدولة. وقد تمخضت حالة عدم الاستقرار عن إضراب الموظفين المحليين لشركة نفط البحرين لاعتراضهم على ظروف العمل. بيد أن تقارير ١٩٣٨ قللت من شأن هذه الحالة وذكرت أنه "تم تفريق المتظاهرين سريعًا وفشل الإضراب".

برامج البي بي سي الإذاعية: الخليج والحرب العالمية الثانية

انتهى ذلك العقد باندلاع الحرب. واكتسب حكام الخليج على نحو مفاجئ أهمية كبيرة بالنسبة للقوى العالمية المتنازعة. وقد سارع شيوخ الخليج  إلى التعهد بالتحالف مع بريطانيا، حيث تبرع شيخ البحرين بمبلغ ٣٠٠٠٠ جنيه إسترليني لدعم الجهود البريطانية في الحرب، وعلى الصعيد الإيراني، تحالف العديد من ضباط الجيش الإيراني مع ألمانيا.

مع اشتداد وطأة النزاعات الدولية، أدى انتشار الدعاية المناهضة لبريطانيا في المنطقة إلى لجوء البي بي سي لبث برامج إذاعية يومية باللغة العربية، وشكَّل الوكلاء السياسيون لجان تقدم نصائح بشأن كيفية نشر برامج البث الإذاعي للجماهير العربية. وعزز ارتفاع عدد الأجهزة اللاسلكية — الخاصة والموجودة في المقاهي— في الخليج من جهود الدعاية المناهضة لبريطانيا.

دعاية بريطانيا مضادة بعد ظهور دعاية معادية لبريطانيا في المنطقة. IOR/R/15/1/717
دعاية بريطانيا مضادة بعد ظهور دعاية معادية لبريطانيا في المنطقة. IOR/R/15/1/717

لقد كان ازدهار صناعة النفط بلا شك عاملاً رئيسيًا، إلا أن وسائل الاتصال المتطورة في المنطقة  - مثل برامج البث الإذاعي للبي بي سي وزيادة النقل الجوي - كانت أيضًا مؤشرات رئيسية على التغير الاقتصادي السريع. وكان اندلاع الحرب سببًا في زيادة أهمية منطقة الخليج من الناحية الاقتصادية، وفي لمحةً مبكرةً عن أحداث سبعيينات القرن العشرين، كانت الحرب أيضًا سببًا في جذب انتباه الحُكام والشعوب إلى تزايد أهمية أوطانهم على الصعيد الدولي.