عرض عام
كانت المجاعة الكبرى في إيران (١٨٧٠-١٨٧٢) كارثة أسفرت عن معاناة واسعة النطاق وخسائر فادحة في الأرواح، إذ تُقدَّر الوفيات بالملايين. وقد نتجت المجاعة أساسًا عن سنوات متتالية من الجفاف الشديد، أدت إلى فشل المحاصيل ونقصٍ حادٍ في الغذاء. ويمكن تتبع بدايات هذا الجفاف إلى وقت سابق يعود لعام ١٨٦٣-١٨٦٤، مع استمرار هطول أمطار "دون المعدل"، بلغ ذروته في الشتاء الجاف لعام ١٨٦٩-١٨٧٠ (ميلفيل، ص. ٣٠٩).
وأدت عوامل اجتماعية واقتصادية إلى تفاقم هذه الكارثة الطبيعية، بما في ذلك احتكار السلع والتلاعب بالسوق من قبل ملّاك الأراضي وتجار الحبوب والمسؤولين الحكوميين. كما أسهمت أنظمة النقل والري "شديدة القصور" إلى تعميق الأزمة، إذ أعاقت إيصال الغذاء من المناطق ذات الفائض إلى المناطق المنكوبة بالمجاعة (سيف، ص. ٢٩٠). وكان الأثر مدمرًا: قرىً مهجورة وجوع مستشرٍ و"تقارير متكررة عن أكل لحوم البشر" في المناطق الأشد تضررًا مثل يزد وأصفهان ومشهد (أمانت، ص. ١٠١٧). ولم تقتصر آثار المجاعةُ على تقليص عدد السكان فحسب، بل امتدت لتترك ندوبًا طويلة الأمد في اقتصاد إيران وبنيتها الاجتماعية.
وترصد السجلات البريطانية الموجودة على مكتبة قطر الرقمية المجاعة كما عايشها الناس يومًا بيوم. فقد واجه المسؤولون صعوبة في الاستجابة لحشود الجائعين وارتفاع الأسعار والأمراض ومحدودية الموارد الخيرية. وتنقل كلماتهم إلحاحًا صارخًا يجعل المجاعة تُرى ككارثة إنسانية بدلًا من كونها حدثًا اقتصاديًا مجردًا.

"الفقراء العاجزون يُرَون في الشوارع"
بحلول أواخر عام ١٨٧١، أصبح من المستحيل تجاهل المعاناة في محيط ميناء بوشهر. ففي تقرير بتاريخ ٢٩ نوفمبر ١٨٧١، يصف جيمس تشارلز إدواردز، المساعد غير النظامي للمقيم السياسي، الأوضاع في المدينة وما حولها بعباراتٍ قاتمة: "يُرى عدد أكبر بكثير من الفقراء العاجزين في الشوارع [...] وكثير منهم قد بلغ من الوهن حدّ الموت هناك. ويعدُّ انعدام العمل الشر الأكبر، إذ دفع العديد من العمال وعائلاتهم إلى التسول. ومن المعروف أيضًا أن العديد من العائلات المحترمة تبيع ممتلكاتها للحصول على مقومات العيش" (IOR/L/PS/9/20، ص. ١٢٤ظ). ويضيف أن الدكتور جورج ووترز، جراح المقيمية مكتب تابع لشركة الهند الشرقية، ومن ثمّ للراج الهندي، أُسِّس في الأقاليم والمناطق التي كانت تُعتبر جزءًا من الهند البريطانية أو ضمن نطاق نفوذها. البريطانية، قد أخبره أن معظم المرضى الذين يترددون على المستوصف كانوا "مصابين بأمراض ناجمة عن المجاعة. وأن انعدام المأوى والملبس والغذاء الملائم يودي بحياة الكثير من هؤلاء المنكوبين" (IOR/L/PS/9/20، صص. ١٢٤ظ-١٢٥و).
الحشود والعدوى ومحدودية الأعمال الخيرية
سرعان ما فاقت الحاجة قدرات أشكال الإغاثة التقليدية. واقترح إدواردز إنشاء محطة كبيرة للإطعام في خانٍ خارج بوشهر، حيث يمكن توزيع الخبز والتمور. غير أن المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من ١٧٦٣ إلى ١٩٧١ في الخليج العربي، لويس بيلي، رفض الخطة لأسبابٍ تتعلق بالصحة العامة والأمن، محذرًا من أن تجمّع آلاف الجائعين والمرضى في مكان واحد سيكون خطيرًا:
"إن جمع الفقراء بهذه الطريقة سيؤدي إلى جعل المنطقة في غاية القذارة وإلى تفشي بعض الأمراض الضارة [...] وسيفضي في النهاية إلى مشاجراتٍ بين المحتشدين [...] وأخيراً إلى مناقشاتٍ بغيضة مع السلطات الفارسية. يجب أن نتذكر أننا في أرض أجنبية" (IOR/L/PS/9/20، صص. ١٢٥و-١٢٥ظ).
وتسبَّبَ توزيع الخبز أو المال في الشوارع الضيقة في حدوث تجمعات فورية، ما اضطر المسؤولين أحيانًا على الانسحاب حفاظًا على سلامتهم الشخصية. وفي إحدى الحالات، أفاد الدكتور ووترز بمواجهته لحشود تتراوح بين ستة إلى سبعة آلاف شخص أثناء محاولته الإشراف على الإغاثة.
العمل وسيلةً للإغاثة: الطرق والأجور والكرامة
في مواجهة مخاطر التبرعات الجماعية المباشرة، لجأ المسؤولون البريطانيون بشكل متزايد إلى برامج التشغيل. وبرز شقُّ الطرق كأكثر أشكال الإغاثة استدامة. وبحلول أوائل عام ١٨٧٢، كان مئات العمال يعملون يوميًا على إنشاء طرق عبر شبه جزيرة بوشهر ونحو المناطق الداخلية. واعتبر بيلي هذا الشكل الأكثر فعالية من بين أشكال العمل الخيري: "هذا النوع من العمل الخيري مفيد من كل النواحي – إذ يمنح العمال أجورًا كاملة، ويقدم إغاثةً غير مباشرة لمن يعولونهم؛ ويسهم في تيسير حركة التجارة الصغيرة في البلاد بشكل عام" (IOR/L/PS/9/20، ص. ٢٦١و).
وبحلول مارس ١٨٧٢، اكتمل أكثر من خمسة وثلاثين ميلًا من الطرق، مع توظيف ما بين ٢٥٠ و٣٠٠ عامل في كل مرحلة. ومع ذلك، لاحظ المسؤولون الحالة الجسدية للعمال، الذين وُصِف بعضهم بأنهم هزيلون جدًا "لدرجة أن بعضهم بالكاد يمكن التعرف عليهم كبشر".

المرض والشتاء والخوف من الفناء
كان شتاء ١٨٧١-١٨٧٢ مميتًا، إذ ضاعف البرد من وطأة الجوع، وانتشر المرض بسرعة بين السكان المنهكين. وفي رسالة إلى الرائد تشامباين، سكرتير صندوق الإغاثة مانشن هاوس في لندن، ذكر بيلي أن "يبدو لي أن عدد الجائعين في تزايد وأنهم يزدادون هزالًا. لقد حل الشتاء أيضًا والفقراء يموتون من البرد خاصةً في الليل" (IOR/L/PS/9/20، ص. ١٣٣ظ). وحتى أولئك الذين يديرون جهود الإغاثة لم يَسلموا. فبحلول مايو ١٨٧٢، توفي كل من المشرف المحلي على عمال النظافة والمُشرفة على الملجأ بسبب "حمى خبيثة معدية " يُعتقد أنهما أصيبا بها أثناء العمل بين المرضى والمحتضرين.

وحذر المسؤولون الطبيون من أن الآثار طويلة الأمد للمجاعة ستستمر حتى لو تحسنت إمدادات الغذاء. كما حذّر الدكتور ووترز إلى أن السكان قد بلغوا من الضعف درجةً بالغة بحيث أن الزحار والإسهال وحمى التيفوئيد أصبحت حتمية تقريباً في الصيف والخريف القادمين.
ما وراء بوشهر
على الرغم من أن بوشهر كانت مركزًا رئيسيًا للمجاعة، إلا أن السجلات المتاحة على مكتبة قطر الرقمية تُظهر أن المعاناة امتدت إلى المناطق الداخلية. ففي رسالة إلى بيلي في يونيو ١٨٧٢، وصف رونالد فيرجسون طومسون، الدبلوماسي المقيم في طهران، الأوضاع في العاصمة نفسها قائلًا: "طهران في حالة يُرثى لها حاليًا - على الرغم من انخفاض الأسعار، ولا يزال عدد كبير يموت يوميًا بسبب الجوع ويبدو أن نوعًا من حمى المجاعة قد تفشّى وهو يودي بحياة حوالي ٢٠٠ شخص يوميًا في المدينة".

وتدعم روايات المسافرين السابقة هذه الصورة. فخلال رحلة عبر بلاد فارس في منتصف عام ١٨٧١، أبلغ ضابط بريطاني عن "قصص عن أطفال تُركوا في حالة يُتم مفاجئ، وعن جثث لم تُدفن أو كانت مأكولة جزئيًا، وعن بشر يتنازعون مع وحوشٍ ضارية على طعام مُقزِّز"، واستنتج أن المجاعة "تركت أثرها على الأرض" (IOR/L/PS/5/268، ص. ٤١٥و).
دور الأيتام والنظافة والصحة العامة
ومع تفاقم حالة المجاعة، توسّعت جهود الإغاثة لتشمل مجلات تتجاوز الغذاء والأجور. فأُنشِئَت دور للأيتام في بوشهر، آوَت ما يصل إلى تسعين طفلًا بحلول أوائل عام ١٨٧٢. كما اقتُرحت مؤسسات منفصلة لكبار السن من الرجال والنساء المُعوِزين.
وأصبحت تدابير الصحة العامة أيضًا محورية. فنَظّمت لجان، مثل لجنة إغاثة المجاعة الفارسية، فرقًا لتنظيف الشوارع وعملَت مع السلطات الفارسية لمعالجة مشاكل المقابر المغمورة والمياه الراكدة التي يُعتقد أنها تُسبب "حُمّى الملاريا" (IOR/L/PS/9/20، ص. ٤٤٦و). وتصف تقارير الدكتور ووترز "حالة ازدحام المقابر، التي تكاد تكون متاخمة للمقيمية البريطانية" والتي تتطلب "أقصى درجات الاهتمام" (IOR/L/PS/9/20، ص. ٤٥١و).
نهاية المجاعة
انتهت المجاعة في المقام الأول بفضل تحسُّن الأحوال الجوية، بما في ذلك هطول الأمطار الغزيرة وتساقط الثلوج. وبحلول مارس ١٨٧٢، أبلغ المسؤولون بحذر عن حدوث تحسُّن. وقيل إن الوفيات بسبب الجوع في بوشهر قد انخفضَت أو توقفت، وأن عدد المتسولين في الشوارع قد انخفض. ومع ذلك، حذّر بيلي من أن الحاجة إلى الإغاثة ستستمر "طوال الموسم الحار القادم" (IOR/L/PS/9/20، ص. ٤٤٩ظ).
وعلى الرغم من انخفاض الأسعار وتحسّن مواسم الحصاد، كانت الآثار طويلة المدى للمجاعة واضحة؛ إذ تقلصت الأراضي المزروعة بسبب فقدان بذور الذرة وموت الناس ونفوق الماشية. وكانت نهايتها بمثابة البداية لرحلة تعافٍ طويلة لسكان إيران واقتصادها.
الخاتمة
توثّق السجلات الموجودة على مكتبة قطر الرقمية أصوات المسؤولين والأطباء ومنظِّمِي الإغاثة، ومأساة الجوع في الشوارع وتفشِّي الأمراض والقرارات الصعبة المرتبطة بإدارة المساعدات. وتُظهر هذه الأوراق أن المجاعة لم تكن مجرد فشلٍ في المحاصيل، بل كانت انهيارًا في منظومات العمل والصحة والضمان الاجتماعي؛ وهو انهيارٌ استطاع العمل الخيري التخفيف من وطأته، لكنه لم يتمكن أبدًا من معالجته بالكامل.
شكر وعرفان
مع خالص الشكر لأماندا إنجنير (أخصائية محتوى، أمينة أرشيف - المكتبة البريطانية) على بحثها المستفيض ودعمها الكبير.



