عرض عام
بداية العلاقات الأنجلو-قطرية الرسمية
في أعقاب هجوم شنّته البحرين وأبوظبي على قطر في عام ١٨٦٧، أصرّ المقيم السياسي الممثل الرئيسي للمقيمية البريطانية في الخليج وهي الذراع الرسمي للامبراطورية البريطانية من ١٧٦٣ إلى ١٩٧١ في الخليج العربي، لويس بيلي، على إعادة توقيع البحرين وأبوظبي على إعلانات الهدنة وإعادة توكيدها في عام ١٨٦٨. وإلى جانب كبار زعماء قبائل قطريين آخرين، وقّع الشيخ محمد بن ثاني أيضًا خلال تلك الفترة على معاهدة مع بريطانيا تهدف إلى إقامة علاقات سياسية رسمية بين الطرفين. ويمكن اعتبار هذه اللحظة المحورية بمثابة اعتراف بريطانيا بدولة قطر رسميًا كسيادة مستقلة. أما على أرض الواقع، فاستمرت بريطانيا بوجه عام في اعتبار قطر منطقةً تقع ضمن نطاق المصالح العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين غيّر التحالف العثماني مع ألمانيا أهمية قطر الاستراتيجية. وفي العقود التالية، تعامل حكّام قطر مع المصالح العثمانية والبريطانية بمهارة.
"تفادي التسرّع وتأجيل اتخاذ أي إجراء"
على الرغم من علاقات بريطانيا الودّية مع الدولة العثمانية، فقد حرصت على عدم التدخل في شؤون الأخيرة فيما يتعلق بقطر، لا سيما مع عدم وجود أي أسباب استراتيجية أو اقتصادية ملحّة تدعو إلى ذلك. وبناءً على ذلك، تحلّت الحكومة البريطانية بالحيطة في تعاملاتها مع حكّام آل ثاني.
وفي عام ١٩١٣، جرى التوقيع على اتفاقية أنجلو-عثمانية شكّلت جزءًا من الاتفاقية حول ترسيم الحدود، وتضمّنت بنودًا بشأن انسحاب حامية عثمانية من الدوحة. وفي حين أراد وزير الدولة لشؤون الهند التفاوض مع قطر من أجل التوصّل إلى معاهدة بمجرد دخول هذه الاتفاقية حيّز التنفيذ، إلا أن نائب الملك في الهند، تشارلز هاردينج، أوصى بالتحلي بالصبر. وفي أعقاب وفاة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني في وقت لاحق، اقترح تأجيل المفاوضات "إلى أن يُعرف ما إذا كان الشيخ الجديد [عبد الله] يستطيع ترسيخ منصبه كخليفة" (IOR/L/PS/10/386، ص. ١٠٩و). وأوضح أيضًا أنه: "[في] ظل هذه الظروف، من الواضح أنه يُستحسن تفادي التسرّع وتأجيل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمعاهدات في الوقت الراهن [...] عند التيقن من منصب الشيخ، وتحديد علاقاتنا مع ابن سعود، واستقرار شؤون قطر، نعتقد أنه من الممكن اغتنام الفرصة المناسبة لإبرام معاهدة" (IOR/L/PS/10/386، ص. ١١٦و). واقتنع وزير الدولة بذلك.

الانسحاب العثماني والمفاوضات السعودية
بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، قررت الدولة العثمانية التوقيع على صفقة سرية مع القوى المركزية (ألمانيا والنمسا-المجر)، مما حال دون التصديق على اتفاقية عام ١٩١٣؛ ولم تنسحب الحامية العثمانية في الدوحة في عام ١٩١٥ سوى لأسباب استراتيجية. وأفسح ذلك المجال أمام المقيم السياسي، السير بيرسي كوكس، للموافقة على معاهدة ثانية مع قطر.
وفي الوقت نفسه، تخوّف المسؤولون البريطانيون أيضًا من الموقف المُتصوَّر لعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعيد [الذي غالبًا ما يُشار إليه في المصادر البريطانية بابن سعود]، في أعقاب التسوية التي توصّل إليها مؤخرًا مع الحكومة العثمانية. وتسبب إنهاء المفاوضات مع ابن سعود قبل إبرام معاهدة مع قطر في استياء السلطات البريطانية.

التزامات المعاهدة الأنجلو-قطرية
وقّعت الحكومة البريطانية على معاهدة مع ابن سعود في ديسمبر ١٩١٥، وجرت المصادقة عليها في يوليو ١٩١٦. وتلا ذلك التوقيع على معاهدة مع الشيخ عبد الله، حاكم قطر، في نوفمبر ١٩١٦، وجرت المصادقة عليها في مارس ١٩١٨. وألزمت المعاهدة الأنجلو-قطرية بريطانيا بضمان أمن قطر. وفي المقابل، سلَّمت قطر زمام شؤونها الخارجية للحكومة البريطانية. ووافق الشيخ عبد الله بشكل خاص على "عدم إقامة علاقات مع أي قوة أخرى أو تبادل مراسلات معها أو استقبال وكيل لها، بدون موافقة الحكومة البريطانية العليا"، وعلى عدم منح "امتيازات صيد اللؤلؤ أو أي احتكارات [أو] امتيازات أخرى" بدون موافقة الحكومة البريطانية.

كبح النفوذ البريطاني
كان الشيخ عبد الله واعيًا بتداعيات تقبّل النفوذ الإمبراطوري البريطاني، فحرص على إبقاء المواد السابعة والثامنة والتاسعة من المعاهدة معلّقة، ومن ضمنها المادة التي تسمح لبريطانيا بتعيين وكيل سياسي في قطر. وأكد كوكس تعليق هذه المواد الثلاثة في رسالة إلى الشيخ عبد الله، أُلحقت بالمعاهدة. علاوةً على ذلك، لم تكن المعاهدة مُلزِمة لورثة الشيخ عبد الله وخلفائه، ما اعتبرته الحكومة البريطانية في وقت لاحق "سهوًا" (IOR/L/PS/12/3816، ص. ٧و).

أسهمت المعاهدة التي أبرمتها بريطانيا مع قطر في عام ١٩١٦ في ترسيخ هيمنتها في الخليج. ومع ذلك، تمكّن حكّام آل ثاني، بفضل مهاراتهم الدبلوماسية، من الحد من النفوذ البريطاني، على الأقل في الوقت الحالي.






